TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
وزارة جديدة أم إعادة تسمية؟ حين يصبح المصطلح بديلاً عن الحقيقة
06/04/2026 - 9:00am

في اللحظات التي يشتد فيها الجدل حول مشروع كبير، غالبًا ما لا يُعاد النظر في جوهر الفكرة، بل في طريقة تسويقها. وهذا ما نراه اليوم في توصيف الحكومة لما يجري بأنه “إنشاء وزارة جديدة” لا “دمجًا”. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: هل تغيّر الواقع فعلًا، أم تغيّرت اللغة فقط؟

من الناحية العملية، ما يُطرح هو جمع اختصاصات التربية والتعليم والتعليم العالي ضمن مظلة واحدة. وهذه، في أي تعريف إداري واضح، عملية دمج. أما تسميتها “وزارة جديدة”، فهي محاولة لإعادة تقديم الفكرة بشكل أكثر قبولًا، لا أكثر دقة. فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بالاسم، بل بالبنية، ولا بالوصف، بل بالوظيفة.

حين يُستبدل المصطلح بدل معالجة الإشكالية، فإننا لا نكون أمام إصلاح، بل أمام إعادة تغليف. لأن جوهر النقاش لم يكن يومًا في الاسم، بل في المخاطر المرتبطة بجمع منظومتين مختلفتين بطبيعتهما ووظيفتهما. التعليم المدرسي ليس التعليم العالي، ومنطق التربية ليس منطق السوق، وخلط هذه المستويات دون تصميم دقيق لا يُحل بتغيير التسمية.

الأخطر في هذا الطرح أنه يوحي بوجود نموذج جديد، بينما المؤشرات الفعلية لا تظهر تغييرًا جوهريًا في الحوكمة. فإذا كانت الصلاحيات ستتركز في جهة واحدة، وإذا لم تُضمن استقلالية الجامعات فعليًا، وإذا لم يُفصل بين رسم السياسات وتنفيذها، فإننا أمام دمج تقليدي بكل ما يحمله من مخاطر، حتى لو أُطلق عليه اسم مختلف.

في التجارب العالمية، لا تُبنى النماذج الجديدة بالشعارات، بل بالهياكل الواضحة والضمانات الصارمة. وعندما تُنشأ وزارة “مظلة” ناجحة، يكون ذلك مصحوبًا باستقلال مؤسسي حقيقي، وهيئات تنفيذية منفصلة، ونظام حوكمة يمنع تغوّل المركزية. أما الاكتفاء بتغيير الاسم، فهو لا يغيّر من طبيعة التحديات، بل يؤجل مواجهتها.

المقلق أكثر أن هذا النوع من الطرح يكشف خللًا أعمق في طريقة إدارة النقاش العام. فبدل الإجابة عن الأسئلة الجوهرية—كيف سيُدار هذا الدمج؟ ما هي الضمانات؟ كيف ستُحمى المدرسة من منطق السوق؟—يُعاد توجيه النقاش نحو التسمية. وكأن المشكلة في الكلمة، لا في ما تعنيه.

في مثل هذه الحالات، يصبح الخطر مضاعفًا. ليس فقط لأن القرار قد يكون غير مدروس بما يكفي، بل لأن طريقة الدفاع عنه تقوم على التجميل لا على التوضيح. وهذا ما يفقد النقاش صدقيته، ويحوّل الإصلاح من مشروع وطني إلى خطاب تسويقي.

الواقع لا يتغير بالمصطلحات. إذا كانت الوظائف مدمجة، فهي دمج. وإذا كانت الصلاحيات مركزية، فهي مركزية. وإذا لم تتغير الحوكمة، فلن يغيّر الاسم شيئًا. بل على العكس، قد يزيد الغموض، ويضعف القدرة على المحاسبة، لأن المفهوم نفسه يصبح غير واضح.

في النهاية، المسألة ليست في رفض الإصلاح، بل في رفض أن يُمرر تحت غطاء لغوي. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بالوضوح، لا بالمراوغة، وبالاعتراف بالتحديات، لا بإعادة تسميتها.

قد يكون من الأسهل سياسيًا القول إنها “وزارة جديدة”، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا: جديدة في ماذا؟ في الاسم، أم في الفكرة؟ لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين إصلاح حقيقي، وإعادة تسمية لا أكثر.
ا د هاني الضمور

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)