TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
من المدرسة إلى الجامعة: الاكتشاف قبل الاختيار
30/04/2026 - 8:15pm

د. زياد أبو الرُّب
الجامعة الألمانية الأردنية

ليست قوة النظام التعليمي في جودة كل مرحلة منه على حدة، بل في جودة الوصل بين مراحله. فالتعليم ليس محطات منفصلة، بل رحلة متصلة، وكلما ضعفت الجسور بين حلقاتها، فقدت هذه الرحلة شيئًا من معناها.

ومن هنا، فإن العلاقة بين المدرسة والجامعة ليست مجرد انتقال من مرحلة إلى أخرى، بل انتقال في الوعي، وفي اكتشاف الذات، وفي بناء المسار.

المشكلة أن كثيرًا من الطلبة يصلون إلى الجامعة وهم يعرفون أسماء التخصصات أكثر مما يعرفون حقيقتها. يعرفون العنوان، لكنهم لا يعرفون العالم الذي خلفه. كم من طالب اختار الهندسة لأنه متفوق في الرياضيات، ثم اكتشف لاحقًا أنه كان يبحث عن الإبداع والتصميم أكثر من الحسابات. وكم من طالبة دخلت تخصصًا بدافع سمعته الاجتماعية، ثم اكتشفت أن شغفها كان في مكان آخر.

المشكلة هنا ليست في الاختيار وحده، بل في أن الاختيار جاء قبل الاكتشاف.

ولهذا، فإن ربط المدارس بالجامعات ليس نشاطًا تعريفيًا إضافيًا، بل جزء من إعادة التفكير في رحلة الطالب قبل أن يصل إلى بوابة القبول.

في النماذج التعليمية المتقدمة، لم تعد العلاقة بين المدرسة والجامعة علاقة تسليم وتسلم، بل شراكة في تشكيل المسار. فالجامعة لا تبدأ عند قبول الطالب، بل تبدأ حين يبدأ الطالب بفهم إمكاناته، والتعرف المبكر إلى العوالم التي قد ينتمي إليها.

وهذا يزداد أهمية في زمن تتغير فيه المهن بسرعة، وتتقاطع فيه التخصصات، وتتولد مجالات جديدة لم تكن معروفة قبل سنوات قليلة، من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب والهندسة، إلى تخصصات الاستدامة والتقنيات الخضراء والاقتصاد الرقمي. لم يعد التعرف إلى التخصص يعني معرفة الخطة الدراسية فقط، بل فهم المسارات التي تتشكل أمام الطلبة في عالم سريع التحول.

ولهذا جاءت تجارب دولية عديدة لتعزيز هذا التقارب مبكرًا. ففي ألمانيا، أسهم الربط بين التعليم العام والمسارات الأكاديمية والمهنية في جعل الانتقال بين المراحل أكثر وعيًا، وهو ما تجلّى في نجاح نماذج الشراكات التعليمية والدراسات الثنائية.

وفي تجارب أخرى، لم تنتظر الجامعات الطلبة حتى يأتوا إليها، بل ذهبت إليهم من خلال مختبرات مفتوحة، وبرامج معايشة، ومعسكرات تخصصية، ومشاريع مشتركة، تسمح للطالب أن يختبر بعض الجامعة قبل أن يختارها. وبعض الجامعات الأردنية بدأت تقترب من هذا التصور عبر مبادرات للتعريف المبكر بالتخصصات، وربط الطلبة ببيئات التعلم التطبيقية، وهي خطوات واعدة تستحق التوسع والبناء عليها.

واليوم تضيف التكنولوجيا بعدًا جديدًا لهذه الجسور. فالمسألة لم تعد محصورة في الزيارات الميدانية وحدها، بل يمكن للمحاكاة الافتراضية، والمختبرات الرقمية، ومنصات الاستكشاف التفاعلي، أن تنقل بعض تجربة الجامعة إلى داخل المدرسة. وقد يصبح الطالب قادرًا، وهو ما يزال في مقعده المدرسي، على خوض تجربة مختبر افتراضي أو التعرف إلى تخصص من خلال بيئة محاكاة، قبل أن يختاره فعليًا.

ولعل هذا ما يدعونا إلى البناء على المبادرات الموجودة وتطويرها. فهناك جهود قائمة ومقدّرة، لكن المجال ما زال واسعًا لتعميقها. نريد للزيارات المدرسية أن تكون مسارًا مستدامًا لا مناسبة موسمية، ولبرامج استكشاف التخصصات أن تصبح أكثر حضورًا، وللمشاريع المشتركة بين المدارس والجامعات أن تتحول من مبادرات فردية إلى ثقافة مؤسسية.

هذا ليس مجرد تحسين للإرشاد الأكاديمي، بل استثمار في جودة الاختيار نفسه.

فالفائدة هنا لا تقتصر على مساعدة الطالب في اتخاذ قرار أفضل، بل تمتد إلى تقليل التعثر، وتعزيز الجاهزية للحياة الجامعية، وتقوية الثقة بالتعليم، وربما الأهم بناء علاقة أكثر وعيًا بين الطالب ومستقبله.

كما أن الجامعات نفسها تستفيد من هذا التقارب، لأنها تقرأ مبكرًا تحولات الجيل القادم، وتعيد التفكير في برامجها وهي أكثر اتصالًا باهتمامات الطلبة ومتغيرات المستقبل.

وهذا ينسجم مع التحولات العالمية في النظر إلى التعليم، حيث لم يعد النقاش حول جودة المخرجات فقط، بل حول جودة المسارات التي تقود إليها. وتشير اتجاهات حديثة إلى أن التحدي لم يعد في إعداد الخريج وحده، بل في تصميم رحلة تعلم أكثر ذكاء تربط التعليم بالمهارات والفرص منذ المراحل المبكرة.

وربما آن الأوان أن ننتقل من سؤال: كيف نساعد الطالب على اختيار تخصصه؟ إلى سؤال أعمق: كيف نساعده على بناء مساره؟ الأول يبحث عن قرار، أما الثاني فيبني رؤية.

وفي تقديري، فإن هذا التحول لم يعد مجرد فكرة تربوية جميلة، بل ضرورة وطنية تتطلب تكاملاً حقيقياً بين التعليم المدرسي والتعليم العالي، وبين المؤسسات المعنية بصناعة المستقبل لا إدارة الحاضر فقط. فالتعليم القوي لا تصنعه جودة المؤسسات وحدها، بل جودة الوصل بينها.

وربما تحتاج جامعاتنا اليوم أن ترى في المدرسة شريكًا مبكرًا، لا مجرد مصدر للطلبة. كما تحتاج مدارسنا أن ترى الجامعة أفقًا للتشكل، لا محطة بعيدة مؤجلة.

فحين تُبنى الجسور قبل لحظة الاختيار، لا يتحسن قرار الطالب فقط، بل يتحسن معنى الرحلة التعليمية كلها. وعندها لا يكون الربط بين المدرسة والجامعة مجرد مبادرة تربوية، بل جزءًا من رؤية أوسع تجعل التعليم أكثر ترابطًا، والاختيار أكثر وعيًا، وتحوّل الطالب من متلقٍ لمسار جاهز إلى شريك في بناء مساره.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)