
د. زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية
مع إعلان نتائج التوجيهي، يبدأ في آلاف البيوت الأردنية واحد من أهم الحوارات العائلية: ماذا ستدرس؟ طب؟ هندسة؟ صيدلة؟ قانون؟ أعمال؟ ذكاء اصطناعي؟ أم تخصصاً جديداً لا يعرف الأهل عنه الكثير؟
وغالباً ما يبدأ هذا الحوار بسؤال يبدو منطقياً: ما التخصص الذي يسمح به معدلك؟
لكن ربما يكون السؤال الأهم: أي مستقبل تريد أن تبنيه، وما التخصص والمهارات والخبرات التي يمكن أن توصلك إليه؟
في امتحان الثانوية العامة لعام 2026، سجل 196,050 طالباً وطالبة، تقدم منهم فعلياً 178,296، ونجح 116,366، بنسبة نجاح بلغت 65.3%. أي أن أكثر من مئة ألف شاب وشابة يقفون هذا العام أمام مرحلة جديدة وقرارات ستؤثر في سنوات مهمة من حياتهم.
لكن هؤلاء لا يدخلون فضاءً جامعياً صغيراً. ففي العام الجامعي 2025/2026 بلغ عدد الطلبة في مؤسسات التعليم العالي الأردنية 480,009 طالبًا وطالبة، منهم 287,320 في المؤسسات الرسمية و192,689 في المؤسسات الخاصة. وهذا يعني أن الطالب يدخل منظومة تعليم عالٍ ضخمة، يتنافس خريجوها لاحقاً مع غيرهم على فرص العمل المتاحة.
وهنا تبدأ القصة التي ينبغي أن يعرفها خريج التوجيهي قبل أن يختار تخصصه.
وفق بيانات اليونيسف، يبدأ نحو100 ألف شاب في الأردن البحث عن عمل كل عام. وفي المقابل، أظهرت أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة أن صافي فرص العمل المستحدثة في سوق العمل الأردني خلال عام 2025 بلغ 87,617 فرصة، وهو أعلى رقم سجلته المملكة، وكان القطاع الخاص المصدر الأكبر لهذه الفرص.
إذا وضعنا الرقمين جنباً إلى جنب، تظهر صورة تستحق التفكير:
نحو 100 ألف داخل جديد إلى سوق العمل سنوياً، مقابل نحو 87.6 ألف فرصة عمل صافية مستحدثة في عام قياسي، أي فجوة تدفق تقريبية تزيد على 12 ألف فرصة في السنة.
وهذه ليست معادلة محاسبية دقيقة للبطالة، لأن من يدخل سوق العمل ليس بالضرورة خريج جامعة، كما أن فرص العمل المستحدثة لا تذهب جميعها للباحثين عن عمل لأول مرة. لكنها تكشف بوضوح أن عدد الراغبين في العمل يظل أكبر من قدرة الاقتصاد على استيعابهم بسهولة، حتى عندما يكون توليد الوظائف عند مستوى مرتفع.
والأهم أن الداخل الجديد إلى سوق العمل لا يبدأ المنافسة في سوق فارغ، بل ينضم إلى أعداد من الباحثين عن العمل من سنوات سابقة.
وهذا يفسر جانباً من استمرار معدل البطالة بين الأردنيين عند 21% في الربع الثاني من عام 2026، رغم التحسن النسبي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. أما بين الإناث، فقد بلغ معدل البطالة 30.3%.
هذه الأرقام لا ينبغي أن تدفع الشباب إلى التشاؤم، ولكنها يجب أن تغير الطريقة التي نفكر بها في اختيار التخصص.
فالسؤال لم يعد فقط: أي تخصص يمكنني دخوله؟ بل أصبح أيضاً: كيف سأتميز بعد أربع أو خمس سنوات عن آلاف الخريجين الذين يحملون شهادات مشابهة؟
ولهذا فإن اختيار التخصص لا ينبغي أن يكون نتيجة المعدل وحده، ولا رغبة الأهل وحدها، ولا لأن الصديق اختار التخصص نفسه، ولا بسبب المكانة الاجتماعية المرتبطة باسم مهنة معينة.
الاختيار الجيد يقع في منطقة تقاطع أربعة أسئلة: هل أحب هذا المجال؟ هل أمتلك القدرة على النجاح فيه؟ هل توجد له فرص معقولة في سوق العمل؟ وهل طبيعة المهنة التي يقود إليها تتناسب مع الحياة التي أريدها؟ وهذا هو الاختيار المتوازن الذي ينبغي أن يسبق التسجيل في الجامعة.
قد يحصل طالب على معدل مرتفع يؤهله لدراسة تخصص معين، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن ذلك التخصص هو الأفضل له. وفي المقابل، قد يختار طالب آخر تخصصاً أقل تنافسية في القبول، لكنه يناسب قدراته وميوله، ثم يطور نفسه فيه ويصبح أكثر نجاحاً مهنياً. المعدل يحدد بعض الخيارات المتاحة أمامك، لكنه لا ينبغي أن يختار حياتك نيابة عنك. ومن الأخطاء الشائعة أن ننظر إلى التخصص وكأنه وظيفة جاهزة تنتظر الخريج بعد أربع سنوات. هذه العلاقة لم تعد بهذه البساطة.
في سوق العمل الحديث، التخصص لا يساوي الوظيفة. الشهادة لا تزال مهمة، لكنها أصبحت جزءاً فقط من معادلة أكبر. فقابلية الخريج للتوظيف أصبحت نتيجة تجمع بين الشهادة والمهارات والخبرة واللغة والعلاقات المهنية والسمعة الشخصية والمهنية.
تخيل طالبين في التخصص نفسه، ومن الجامعة نفسها، وتخرجا بالمعدل نفسه. الأول حضر المحاضرات، ونجح في المساقات، وحصل على الشهادة وانتظر التخرج. أما الثاني، فإضافة إلى دراسته، طور لغته الإنجليزية، وتدرب في مؤسسة، ونفذ مشاريع حقيقية، واكتسب شهادات مهنية، وتعلم استخدام الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وشارك في نشاطات، وبنى شبكة من العلاقات المهنية. إذا تقدم الاثنان إلى الوظيفة نفسها، فمن سيكون أكثر قدرة على المنافسة؟
هنا نفهم أن الجامعة ليست أربع أو خمس سنوات للحصول على شهادة، بل هي أربع أو خمس سنوات لبناء الإنسان المهني الذي سيحمل هذه الشهادة. ولذلك ينبغي أن يبدأ الطالب ببناء سيرته الذاتية منذ السنة الأولى، لا قبل التخرج بأسابيع. في السنة الأولى يمكن أن يركز على التأقلم مع الحياة الجامعية، واللغة، والمهارات الرقمية، وبناء العلاقات. وفي السنة الثانية يبدأ بالمشاريع والنشاطات واستكشاف المجالات التي تناسبه. وفي السنة الثالثة يصبح التدريب والشهادات المهنية والشبكة المهنية أكثر أهمية. أما في السنوات الأخيرة، فينبغي أن يكون لديه مشروع قوي، وتدريب متقدم، وسيرة ذاتية احترافية، وحضور جيد على لينكدإن، واستعداد فعلي للتقدم للفرص.
وتزداد أهمية هذه الفكرة مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى جميع المهن تقريباً. فكثير من الشباب يسألون اليوم: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ لكن ربما يكون السؤال الأدق: هل سيأخذ وظيفتك الذكاء الاصطناعي، أم سيأخذها شخص من تخصصك يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي أفضل منك؟ فالقيمة المستقبلية للخريج لن تأتي من كمية المعلومات التي يحفظها فقط، بل من قدرته على الجمع بين المعرفة التخصصية والتفكير النقدي والتواصل والتكنولوجيا والتعلم المستمر.
وهذا لا يعني أن على الجميع دراسة الذكاء الاصطناعي أو علوم الحاسوب. فسوق العمل يحتاج إلى تخصصات ومسارات متنوعة، لكن طبيعة الطلب تتغير. هناك مجالات تستحق الدراسة بعناية، مثل علوم الحاسوب وهندسة البرمجيات والأمن السيبراني وعلم البيانات والذكاء الاصطناعي، والتخصصات الصحية التطبيقية، والتكنولوجيا المالية ، وذكاء الأعمال، وتحليل البيانات، وسلاسل التزويد واللوجستيات، والهندسة الصناعية والأنظمة الذكية والأتمتة والطاقة، والتصنيع الدوائي والصناعات الغذائية، والسياحة والضيافة، إلى جانب التخصصات التقنية والمهنية التطبيقية.
لكن كلمة "واعد" لا تعني "مضمون". فقد يتخرج شخص من تخصص مطلوب ولا يجد عملاً لأنه لم يطور مهاراته، وقد يتخرج آخر من تخصص تقليدي ويصنع لنفسه فرصة لأنه تخصص في مجال دقيق، واكتسب خبرة، وتعلم أدوات يحتاجها السوق. لذلك ربما يجب أن نتوقف قليلاً عن البحث عن "التخصص المطلوب"، ونبدأ بالحديث أكثر عن "الخريج المطلوب".
وهنا تقع مسؤولية مهمة على الأسرة أيضاً. من حق الأهل أن ينصحوا أبناءهم، وأن ينقلوا إليهم خبراتهم، وأن يناقشوا معهم كلفة الدراسة والفرص والمخاطر. لكن من الخطأ أن يتحول حب الأهل وخوفهم على مستقبل أبنائهم إلى اختيار مهنتهم بالنيابة عنهم. فالطالب هو الذي سيدرس التخصص، وهو الذي سيعمل فيه، وهو الذي سيعيش تفاصيل المهنة لعقود. وربما يكون التمرين الأفضل لخريج التوجيهي قبل أن يملأ طلب القبول الجامعي هو أن يتخيل نفسه بعد خمس أو عشر سنوات ويسأل: أين أريد أن أعمل؟ ما المهارات التي أريد أن أمتلكها؟ ما الخبرة التي ستكون لدي؟ ما الأشخاص والمؤسسات التي سأعرفها؟ وما الشيء الذي سيميزني عن مئات الخريجين الذين يحملون الشهادة نفسها؟
ثم يأتي السؤال الأهم: ما أول خطوة أستطيع أن أبدأ بها اليوم؟
التوجيهي محطة مهمة، لكنه ليس حكماً نهائياً على المستقبل. والمعدل يفتح أبواباً ويغلق أخرى، لكنه لا يصنع النجاح وحده. والجامعة توفر المعرفة والبيئة والفرص، لكنها لا تستطيع أن تبني مستقبل الطالب بالنيابة عنه.
لذلك فإن الرسالة التي ربما يحتاجها خريج التوجيهي اليوم ليست قائمة بأكثر عشرة تخصصات طلباً، وإنما مجموعة مبادئ أبسط وأعمق:
لا تختر تخصصك بناء على المعدل فقط. ابن مهاراتك بالتوازي مع شهادتك. ابدأ خبرتك العملية مبكراً. تعلم كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن تخشاه. واستعد للتعلم طوال حياتك، لأن الوظائف نفسها ستتغير.
فالمنافسة الحقيقية بعد سنوات لن تكون فقط بين تخصص وآخر، بل بين خريج يحمل شهادة، وخريج يحمل معها ما يستطيع أن يفعله.
التوجيهي قد يحدد أين تستطيع أن تبدأ، لكنه لا يحدد إلى أين تستطيع أن تصل.


اضف تعليقك