
أ.د مروان الجراح – عميد كلية اللغات الأجنبية
لم يكن التقدّم الذي حققته كلية اللغات الأجنبية في الجامعة الأردنية في تصنيف QS العالمي للتخصصات لعام 2026 حدثًا عابرًا أو إنجازًا ظرفيًا يمكن قراءته بمنطق الأرقام وحدها، بل هو في جوهره تتويج لمسار أكاديمي وبحثي متراكم، يعكس رسوخ الكلية بوصفها فضاءً علميًا منتجًا للمعرفة، ومركزًا أكاديميًا متقدمًا في مجالات اللغويات، واللغة الإنجليزية وآدابها، واللغات الحديثة، والترجمة، وتعليم اللغات وتعلّمها.
لقد جاءت نتائج التصنيف هذا العام لتؤكد هذا المسار بوضوح؛ إذ حققت الجامعة الأردنية المرتبة 135 عالميًا في تخصص اللغويات، لتدخل بذلك ضمن قائمة أفضل 150 جامعة في العالم، في قفزة نوعية مقارنة بتصنيف عام 2025. كما أحرزت المرتبة 165 عالميًا في تخصص اللغة الإنجليزية وآدابها، والمرتبة 171 عالميًا في تخصص اللغات الحديثة، لتُدرج ضمن أفضل 200 جامعة عالميًا في هذين المجالين. وهذه النتائج لا تعبّر فقط عن تحسّن في الترتيب، بل عن نضج معرفي ومؤسسي حقيقي، وعن قدرة الكلية على ترسيخ حضورها في الحقول الإنسانية واللغوية الأكثر تنافسية عالميًا.
إن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تكمن في أنه ثمرة حراك علمي متنوع وعميق تقوده نخبة من أعضاء الهيئة التدريسية والباحثين في الكلية، ممن يشتغلون على طيف واسع من التخصصات الدقيقة والحقول البينية المعاصرة. ففي علم اللغويات، لم يعد حضور الكلية مقتصرًا على التدريس التقليدي، بل بات يمتد إلى إنتاج بحثي نوعي في النظرية النحوية الحديثة، والواجهات بين البنية النحوية والصرفية والدلالية، واللسانيات العربية المعاصرة، فضلًا عن أبحاث متقدمة في علم اللغة الاجتماعي، وتحليل الخطاب، والتداولية، ودراسات الهوية واللغة والمجتمع.
وفي ميدان تعليم اللغات وتعلّمها، تشهد الكلية حراكًا علميًا متقدمًا في قضايا طرائق التدريس الحديثة، وتصميم المناهج، والتقويم اللغوي، وتدريس الإنجليزية واللغات الأجنبية في السياقات متعددة اللغات، إلى جانب مساهمات بحثية متزايدة في مجال إدماج الذكاء الاصطناعي في تعليم اللغات، وهو مجال بات يشكّل أحد أكثر المحاور حيوية في البحث التربوي واللساني عالميًا. وقد استطاع باحثو الكلية أن يواكبوا هذا التحول لا بوصفه أداة تقنية فحسب، بل باعتباره تحولًا معرفيًا ومنهجيًا يعيد تعريف العلاقة بين اللغة، والتعلم، والوسائط الذكية.
كما يبرز حضور الكلية أيضًا في حقول أكثر تخصصًا وعمقًا، مثل علم اللغة النفسي وعلم اللغة العصبي، حيث تتقاطع اللغة مع الإدراك، والذاكرة، والمعالجة الذهنية، والتمثيلات العصبية للخطاب والتواصل. وهذه الحقول، التي كانت إلى وقت قريب هامشية في كثير من البيئات الأكاديمية العربية، أصبحت جزءًا من المشهد العلمي النشط داخل الكلية، بما يعكس اتساع أفقها المعرفي وقدرتها على مواكبة التحولات العالمية في علوم اللغة.
أما في اللغة الإنجليزية وآدابها، فقد رسّخت الكلية حضورها من خلال إسهامات رصينة في الأدب الإنجليزي، والنظرية النقدية، والدراسات الثقافية، وتحليل السرد، والدراسات ما بعد الاستعمار، والنقد الخطابي والأدبي المعاصر. ولم تعد دراسة الأدب في الكلية تنحصر في التناول النصي الكلاسيكي، بل اتسعت لتشمل مقاربات نقدية حديثة تتفاعل مع أسئلة الهوية، والتمثيل، والسلطة، والذاكرة، والعدالة الثقافية، وهو ما يضع الكلية في قلب النقاشات الإنسانية المعاصرة.
وفي الترجمة ودراساتها، أسهمت الكلية في تطوير مقاربات علمية تتناول الترجمة بوصفها ممارسة لغوية وثقافية ومعرفية معقدة، لا مجرد نقل بين لغتين. ولذلك برزت داخلها اهتمامات بحثية تتصل بنظريات الترجمة، والترجمة الإعلامية، والترجمة بين الثقافات، والترجمة في البيئات الرقمية، فضلًا عن تعليم الترجمة وتكوين المترجمين في ضوء التحولات التقنية والمعرفية الراهنة.
وإذا أُضيف إلى ذلك ما تشهده برامج اللغات الأجنبية الحديثة من تطور في المحتوى، والتأهيل، والانفتاح على الشراكات الدولية، حيث تطرح الكلية برامج مختصة باللغات الحديثة وهي ثمانية لغات ( الألمانية ، الإسبانية ، الإيطالية، الروسية ، التركية ، الكورية ، الصينية والفرنسية) كما وتطرح مواد اللغة العبرية، البولندية، اليابانية والهنغارية) فإن الصورة تتضح أكثر: نحن أمام كلية لم تعد مجرد وحدة تدريسية، بل أصبحت منارة أكاديمية حقيقية تُسهم في إنتاج المعرفة، وتشكيل الوعي اللغوي والثقافي، وتخريج كوادر تمتلك كفايات علمية ومهنية تؤهلها للمنافسة محليًا وإقليميًا وعالميًا.
ويزداد هذا الإنجاز أهمية حين نضعه في سياقه العربي؛ إذ إنها الأولى في التخصصات الثلاث على مستوى الوطن العربي ؛ وما حققته الكلية يؤكد أن الجامعة الأردنية باتت في طليعة الجامعات العربية في مجال اللغويات والدراسات اللغوية والإنسانية المتصلة بها، وأن الجيل الحالي من الباحثين واللغويين في الكلية يسهم فعليًا في رسم خريطة الإنتاج العلمي في المنطقة، لا سيما في ضوء ما نشره الزملاء من أكثر من 100 بحث علمي مفهرس في أرقى المجلات العالمية، وهو رقم لا يعكس فقط كثافة الإنتاج، بل يدل على نوعية الحضور العلمي، ودرجة الانخراط في المعرفة العالمية من موقع الندية لا التلقي.
كما لا يمكن قراءة هذا النجاح بمعزل عن البنية المؤسسية الداعمة التي وفّرتها الجامعة الأردنية، وفي مقدمتها معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة الأردنية، الذي كان لدعمه المتواصل ورؤيته الاستراتيجية أثر بالغ في تمكين الكليات، وتعزيز ثقافة الجودة، وترسيخ الحضور الدولي للجامعة. كما أتوجه بخالص التقدير إلى الأستاذ الدكتور فالح السواعير نائب الرئيس لشؤون الاعتماد والتنصيف الدولي والاستدامة ومكتب التصنيفات على جهوده المهنية الدقيقة، وعمله المتواصل في متابعة المؤشرات والمعايير التي تسهم في إظهار هذا التميز بالصورة التي يستحقها.
ولا يفوتنا أن نؤكد أن هذا الإنجاز هو أيضًا ثمرة إخلاص أعضاء الهيئة التدريسية، والطلبة المتميزين الذين شكّلوا جميعًا مجتمعًا أكاديميًا حيًويا، يقوم على الجدية، والانتماء، والسعي الدائم نحو الأفضل.
إن ما تحقق اليوم ليس مجرد صعود في تصنيف عالمي، بل هو إقرار دولي بمشروع أكاديمي متكامل تقوده كلية اللغات الأجنبية بثقة واقتدار، ويؤكد أنها تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقعها بوصفها مركزًا عربيًا وعالميًا لإنتاج المعرفة اللغوية والإنسانية، ومنارة علمية تليق بتاريخ الجامعة الأردنية وطموحها


اضف تعليقك