
د. محمد القضاة
في لقاء عصفٍ ذهني، استضافت جماعة عمّان لـ«حوارات المستقبل» وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، الأستاذ الدكتور عزمي محافظة، في مقرها في عمّان. لم يكن لقاءً تقليدياً يُلقي فيه وزيرٌ تصوراً ثم ينصرف، بل تحوّل إلى جلسة استقصاء حقيقية، كشف خلالها الوزير عن ذاكرة فولاذية وإحاطة شاملة لم تفتهما جزئية صغيرة، في مشهدٍ أثار دهشة الحاضرين، وأعاد طرح سؤالٍ جوهري: كيف لوزيرٍ واحد أن يدير كياناً يضم أكثر من 170 ألف معلم وموظف، و4800 مدرسة، بكل تفاصيله الدقيقة؟
وشكّلت المدرسة، والمناهج، والمعلم مثلثَ التطوير الذي لا يحتمل الارتجال.
واستهلّ الوزير حديثه بحسم المؤمن بقضيته، مؤكداً أن استراتيجية الوزارة ترتكز على ثلاثة محاور مهمة: الأول: المدرسة؛ حيث توقّف طويلاً عند «البناء المدرسي» بصفته قضية وجودية وبنية تحتية أساسية، مؤكداً أن العمل يجري على قدمٍ وساق لبناء 500 مدرسة خلال الأعوام القادمة، وأن جزءاً كبيراً منها يُنجز سنوياً. ولم يترك الوزير تفصيلاً صغيراً دون حديث؛ فعدد المدارس القائمة اليوم يتجاوز 4800 مدرسة، موزّعة على مختلف محافظات المملكة، لكل منها ظروفها واحتياجاتها.
و الثاني: المناهج؛ حيث تحدث عن تطوير المناهج بكل تفاصيلها بوصفه عمليةً مستمرة لا تتوقف، مشيراً إلى أن التطوير الحقيقي يبدأ من فهم طبيعة «طالب المستقبل» الذي يختلف كلياً عن أجيال الأمس. وأكد أن المناهج لم تعد مجرد كتب مدرسية، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تتفاعل مع التكنولوجيا والتحول الرقمي. كما أشار إلى التغييرات والتطوير في مناهج الصفوف المدرسية كافة، وهو ما يؤكد فهماً عميقاً لمتطلبات الطالب في مراحله المختلفة.
والثالث: المعلم؛ حيث أفرد حيزاً واسعاً للحديث عن «معلم المستقبل»، مشدداً على أن المعلم هو القائد الملهم للعملية التعليمية، وأن تطوير التعليم يبدأ من تطوير من يقود الفصل الدراسي. وفي هذا السياق، أشار إلى مشروع التحول الرقمي الطموح من خلال منصتين محوريتين: منصة «أجيال» ومنصة «سراج»، اللتين تهدفان إلى تدريب المعلمين وتأهيلهم رقمياً، وتوفير محتوى تعليمي متطور للطلبة.
ولم يترك الوزير ملف التعليم العالي دون الإشارة إلى استقلالية الجامعات، مؤكداً أنها يجب ألّا تكون شعاراً، بل واقعاً تستمد قوته من القانون الجديد الذي يمر حالياً بمراحله الدستورية. ولم يكن قطاع التعليم العالي غائباً عن اللقاء، وإن كان نصيبه من النقاش أقل؛ إذ أشار إلى أن القانون الجديد، حال الانتهاء منه، سيرسم ملامح مرحلة جديدة قوامها الاستقلال الإداري والمالي للجامعات، وتأهيل الموارد البشرية، وعلى رأسها الشباب الأردني، في مختلف المراحل المدرسية والجامعية.
وحول تطوير الثانوية العامة، فصّل الوزير الحديث في هذا الشأن، مشيراً إلى أن الفكرة بدأت منذ عام 2009، وها هي تخرج إلى النور بعد طول انتظار؛ وهي قضية طالما شغلت بال الأردنيين لعقود. وأضاف الوزير: «نحن هنا قمنا بتطوير تلك الفكرة، وبدأنا الآن بتطبيقها». وأوضح أن التفاصيل الكاملة للنظام الجديد تُطبَّق الآن؛ إذ إن كل طالب ينهي الصف الثاني عشر يجب أن يحصل على شهادة تثبت إتمامه الثانوية العامة، وهذا حق أساسي للجميع. فهناك طلبة يرغبون في التوقف عند هذا الحد ولا يريدون الالتحاق بالجامعات، وهؤلاء لن يخضعوا لأي امتحان إضافي، في حين أن الطلبة الراغبين في القبول الجامعي سيكون أمامهم امتحان مخصص لهذا الغرض.
وما رأيته في هذا الحوار أننا كنا أمام وزيرٍ بوجهٍ حقيقي هو الوطن، وابنٍ للجامعة الأردنية، وابنٍ للتفاصيل التي لا تُنسى. ولم يكن عزمي محافظة وزيراً تقليدياً يؤدي مهمةً ثم ينصرف، بل رأيت وجهاً حقيقياً للوطن؛ رجلاً لم ينقطع عن تفاصيل الناس الصغيرة، ولم ينسَ أن المواطن الأردني ينتظر منه فعلاً لا قولاً، وأن الأسرة الأردنية تتألم حين يفشل ابنها في امتحان لا ينبغي أن يكون سيفاً مصلتاً على رقاب الجميع.
وهنا أود أن أقول شيئاً قد لا يكتبه كثيرون: هذا الرجل هو ابن الجامعة الأردنية، وما زال يحبها كما يحب الإنسان بيته الدافئ الذي ترعرع فيه. عرفناه أستاذاً جامعياً متميزاً، ورئيس قسمٍ أكاديمياً، وعميداً، ثم نائباً للرئيس، فرئيساً للجامعة الأردنية. ولم تكن هذه المناصب مجرد محطات في سيرةٍ ذاتية جافة، بل كانت مدارس في الحب والعطاء. ومن يعرف الجامعة الأردنية عن قرب يدرك أن من ترأسها لم يعد كما كان، لأنه يحمل على كتفيه هماً كبيراً ومسؤولية ثقيلة تجاه جيلٍ كامل من الشباب؛ وهو ما يقوم به اليوم الدكتور نذير عبيدات، الذي أعاد للمكان والزمان صورةً ناطقة بالإنجاز والتميز.
هذا الحب، وهذا الدفء، وهذه المعرفة الدقيقة بتفاصيل الناس والمؤسسة، هي ما رأيته ينساب في حديثه عن أدق تفاصيل الوزارة. إنه ليس وزيراً يستعرض معلوماتٍ حفظها من ملفات، بل أبٌ يعرف أبناءه واحداً واحداً، ويدرك أين يكمن القصور وأين يقع التقصير. صورة غير مألوفة بين مسؤولي الدولة الأردنية؛ هذه الصورة التي يطل بها الدكتور عزمي محافظة تجعلني أطمئن. لأن من يحفظ الناس بدقة، ويعرف تفاصيل وزارته كما يعرف تفاصيل بيته، ويظل وفياً للجامعة التي صنعته كما يظل الابن لبيته الدافئ، هو من يستحق أن ننظر إلى وزارة التربية والتعليم بعين الرضا.
ومع هذا الرجل، يمكننا أن نقول بصوتٍ مرتفع: الطريق طويل، وشاق، ومليء بالعقبات، لكن القبطان يعرف الخريطة، بل ويسهم في رسم جزءٍ كبيرٍ منها بيديه.
وبعد؛ فإن الحديث عن الإنجاز والتميز في وزارة التربية والتعليم ليس سهلاً، خاصةً مع هذا الكم من المدارس، وهذا العدد الهائل من المعلمين والموظفين. غير أن ما يفعله الدكتور محافظة يؤكد أن الوزارة تستحق أن ننظر إليها بعين الرضا، ليس لأنها كاملة، بل لأن من يقودها اليوم رجلٌ يستحق الثقة.
نعم، هناك تحديات كبيرة؛ لكن هناك رجلاً يعرف كل هذه التفاصيل، ويعمل ليل نهار لإصلاحها. وهذا، في رأيي، هو الفرق بين وزيرٍ عابر، ووزيرٍ بوجهٍ حقيقي هو الوطن.
mohamadq2002@yahoo.com


اضف تعليقك