
شهدت السياسات التعليمية في الأردن تطورًا لافتًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا فيما يتعلق ببرامج الطب البشري، حيث ارتفعت معدلات القبول في الجامعات الحكومية والخاصة إلى مستويات غير مسبوقة. وغالبًا ما يُعزى هذا التوجه إلى دوافع تتعلق بـ"ضبط جودة التعليم الطبي" – وهي غاية لا خلاف على مشروعيتها – لكن تثار تساؤلات حول مدى كفاية المعدل وحده كمعيار للقبول، ومدى توافق هذا النهج مع متطلبات القطاع الصحي الأردني على المدى المتوسط والبعيد.
يمتلك النظام الصحي الأردني بنية تحتية متقدمة نسبيًا مقارنة بدول المنطقة، كما أن مخرجات التعليم الطبي تحظى باعتراف إقليمي ودولي. إلا أن هذا التميز لا يُخفي جملة من التحديات، أبرزها سوء توزيع الكوادر الطبية جغرافيًا، والنقص الحاد في تخصصات حيوية كطب الأسرة والطب النفسي، إضافة إلى الضغط المتزايد على المستشفيات والمراكز الصحية في المناطق الطرفية. وبالتالي، فإن تقييم سياسات القبول في كليات الطب يجب أن يُنظر إليه ضمن إطار أوسع يرتبط بالتخطيط الصحي وتوزيع الموارد البشرية، وليس كمجرد مسألة أكاديمية.
حتى اليوم، تعتمد الجامعات الأردنية اعتمادًا شبه حصري على معدل الثانوية العامة كمعيار للقبول في تخصص الطب. ورغم أن المعدلات المرتفعة تعكس تفوقًا معرفيًا، إلا أنها لا تقيس المهارات غير الأكاديمية التي تُعد جوهرية لمهنة الطب، مثل القدرة على التواصل، التفكير النقدي، تحمل الضغط، والتعاطف. وتشير دراسات دولية إلى أن هذه المهارات تشكّل مؤشرات أدق لنجاح الطبيب في حياته المهنية والسريرية مقارنة بالتحصيل الدراسي فقط.
من ناحية أخرى، تُظهر بيانات وزارة الصحة ودوائر التخطيط أن الأردن لا يعاني من نقص شامل في أعداد الأطباء، حيث يبلغ المعدل نحو 27 طبيبًا لكل 10,000 نسمة، وهو أعلى من المعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية. غير أن هذا المعدل العام يُخفي تفاوتًا ملحوظًا في التوزيع الجغرافي والتخصصي، مما يُحتم توجيه سياسات القبول نحو سد الفجوات الفعلية في النظام الصحي، وليس فقط التحكم في أعداد المقبولين.
لقد أثبتت تجارب دول مثل كندا وألمانيا وأستراليا نجاح نماذج قبول أكثر شمولًا، لا تعتمد فقط على التحصيل الأكاديمي، بل تدمج اختبارات القدرات، المقابلات الشخصية، والسجلات التطوعية في عملية تقييم الطلبة. ويعكس هذا النهج قناعة متنامية بأن الطب مهنة تتطلب مزيجًا من الكفاءة المعرفية والجدارة الإنسانية، لا مجرد تفوق دراسي.
إن رفع معدلات القبول دون مراجعة شاملة لآليات القبول والتخطيط، قد يؤدي إلى فجوة بين أعداد الخريجين واحتياجات النظام الصحي الفعلية، وقد يُقصي طلابًا ذوي مهارات مميزة لمجرد عدم حصولهم على معدل مرتفع. كما أن التركيز على المعدل وحده يعزز من التنافس غير الصحي في الثانوية العامة، دون أن يضمن بالضرورة جودة أعلى في خريجي كليات الطب.
إن الارتقاء بجودة التعليم الطبي، وتحقيق العدالة الصحية، وضمان كفاءة النظام الصحي، تتطلب رؤية استراتيجية شاملة لإصلاح منظومة القبول. هذه الرؤية يجب أن توازن بين المعايير الأكاديمية الصارمة، وتقييم شمولي للقدرات الشخصية، وتوسيع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب، إلى جانب ربط خطط القبول بخريطة وطنية دقيقة للاحتياجات المستقبلية من الكوادر الطبية.
وبناءً على ما سبق، فإن رفع المعدلات قد يكون خطوة مفهومة ضمن سياق تحسين الجودة، لكنه غير كافٍ لوحده. المطلوب هو سياسة قبول أذكى، لا أشد صرامة، تُدار برؤية عقلانية متوازنة، تجمع بين التفوق الأكاديمي والكفاءة الإنسانية، بما يخدم مصلحة النظام الصحي الأردني، والمجتمع ككل.
ا د هاني الضمور


اضف تعليقك