
طلبة نيوز - نشرت مجلة Frontiers in Political Science، إحدى المجلات العلمية الدولية المحكمة الصادرة عن دار النشر العالمية Frontiers، دراسة بحثية جديدة تقدم تفسيرًا مبتكرًا لأحد أكثر الملفات الجيوسياسية حساسية في العالم، وهو السلوك الإيراني في مضيق هرمز، الذي يُعد من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية لنقل النفط والتجارة العالمية. وجاءت الدراسة بعنوان "Parasitic Sovereignty and Chokepoint Politics: Domestic Governance and Maritime Coercion in the Strait of Hormuz"، من إعداد الباحثين الدكتور عبد الفتاح ياغي من جامعة الإمارات العربية المتحدة، والأستاذ الدكتور محمد تركي بني سلامة من جامعة اليرموك، ونُشرت في 30 تموز/يوليو 2026.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأنها تقدم إطارًا نظريًا جديدًا لفهم أسباب استمرار التوترات في مضيق هرمز، بعيدًا عن التفسيرات التقليدية التي تركز على الردع العسكري أو التنافس الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها. فبدلًا من ذلك، تنطلق الدراسة من فرضية أن الحوكمة الداخلية في إيران، وطبيعة العلاقة بين المركز والمناطق الطرفية، تمثل عنصرًا أساسيًا في تفسير السلوك الإيراني في هذا الممر البحري الحيوي.
وطور الباحثان مفهومًا نظريًا جديدًا أطلقا عليه "السيادة الطفيلية" (Parasitic Sovereignty)، وهو مفهوم يفسر كيفية توظيف الهياكل والمؤسسات الرسمية للدول في خدمة أهداف استراتيجية وسياسية دون المساس بالشكل القانوني للسيادة. كما يوضح كيف يمكن أن تؤدي هشاشة المؤسسات، وضعف الحوكمة، والتهميش السياسي في المناطق الطرفية إلى خلق بيئة تجعل استخدام أدوات الإكراه البحري أكثر جدوى واستدامة من الناحية السياسية.
وتبين الدراسة أن الاضطرابات المتكررة في مضيق هرمز لا يمكن تفسيرها فقط من خلال المنافسة العسكرية أو الصراع الجيوسياسي، وإنما ترتبط أيضًا بالتحديات الداخلية التي تواجهها الدولة الإيرانية، ولا سيما في المناطق التي تسكنها الأقليات العربية والبلوشية، حيث تؤدي سياسات التهميش والإدارة الأمنية إلى خلق فجوة في الشرعية السياسية، وهو ما يزيد من أهمية التصعيد الخارجي كوسيلة لتعزيز التماسك الداخلي وإعادة إنتاج شرعية الدولة.
كما توضح الدراسة أن إيران لا تعتمد استراتيجية الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، وإنما تلجأ إلى ما يسميه الباحثان "إنتاج المخاطر"، من خلال تنفيذ إجراءات بحرية محسوبة، مثل المناورات العسكرية واعتراض السفن والرسائل العسكرية، بهدف رفع مستوى عدم اليقين في الأسواق العالمية، وزيادة كلفة النقل والتأمين، والتأثير في أسواق الطاقة، دون الوصول إلى مواجهة عسكرية شاملة. وترى الدراسة أن هذه السياسة تحقق مكاسب استراتيجية كبيرة بأدوات محدودة الكلفة، لكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى تعزيز الوجود العسكري الدولي في المنطقة ورفع احتمالات التصعيد.
وتخلص الدراسة إلى أن تحقيق استقرار طويل الأمد في مضيق هرمز لا يعتمد فقط على الردع العسكري أو زيادة الانتشار البحري، بل يتطلب أيضًا معالجة العوامل الداخلية المرتبطة بالحوكمة والشرعية السياسية، وتعزيز المشاركة السياسية والتنمية في المناطق الطرفية ذات الأهمية الاستراتيجية. وتشير إلى أن الحوكمة الأكثر شمولًا قد تسهم في تقليل الدوافع التي تجعل الإكراه البحري خيارًا سياسيًا متكررًا، دون أن يعني ذلك إلغاء العوامل الجيوسياسية الأخرى المؤثرة في سلوك إيران.
وأكد الباحثان أن الدراسة تمثل إضافة علمية جديدة إلى أدبيات العلاقات الدولية والأمن البحري والسياسة المقارنة، من خلال الربط بين الحوكمة الداخلية والسلوك الخارجي للدول في الممرات البحرية الاستراتيجية، بما يفتح آفاقًا جديدة للباحثين وصناع القرار لفهم ديناميكيات الأمن الإقليمي وإدارة الأزمات في الشرق الأوسط بصورة أكثر شمولًا. كما تدعو الدراسة إلى إجراء المزيد من البحوث المقارنة حول العلاقة بين الحوكمة الداخلية وأمن الممرات البحرية في مناطق استراتيجية أخرى حول العالم.
رابط الدراسة للإطلاع: https://www.frontiersin.org/journals/political-science/articles/10.3389/...


اضف تعليقك