
طلبة نيوز- د. عبدالله حسين العزام
في مشهد مهيب داخل قصر الحسينية، ووسط احتفالات الأردنيين بعيد الاستقلال الثمانين في مختلف محافظات المملكة، ألقى جلالة الملك المعظم خطاباً جمع بين النبض التاريخي والرؤية السياسية الواقعية، ليتجاوز إطار المناسبة الاحتفالية التقليدية ويبدو أقرب إلى وثيقة سياسية ترسم ملامح الحالة الأردنية في لحظة إقليمية دقيقة.
جلالة الملك استهل الخطاب بجملة وضعت إطاراً عميقاً للعلاقة بين الوطن وشعبه: «أحييكم من أرض لم تخذل أهلها يوماً»، ليؤكد من خلالها صورة الأردن بوصفه أرض الوفاء والثبات، والعلاقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع؛ ثم انتقل إلى تعريف الاستقلال باعتباره مشروعاً مستمراً لا ذكرى عابرة، حين قال إنه «حاضر معنا، نصونه أمانة وعهداً وميثاقاً»، في إشارة إلى أن الاستقلال مسؤولية وطنية متجددة لا تتوقف عند حدود الاحتفال.
وفي بعد حضاري لافت، استعاد جلالته العمق التاريخي للأردن، مؤكداً أن هذا الوطن «لم يكن يوماً هامشاً في سرد البشرية»، مستحضراً رمزية أرض الرسالات والصحابة والتابعين، ليحوّل التاريخ من مجرد استذكار للماضي إلى مصدر قوة معنوية وسياسية. فالرسالة هنا بدت واضحة: إن شعباً يمتلك هذا الامتداد الحضاري قادر على تحويل التحديات إلى فرص، مهما تعاظمت الضغوط الإقليمية والاقتصادية.
كما حمل الخطاب بعداً عملياً حين لخّص جلالته أبرز ما حققته الدولة رغم تعقيدات الإقليم، من الحفاظ على الأمن والحدود، ومواصلة المسيرة الديمقراطية، وتحصين الاقتصاد، واستمرار الدور الإنساني والعروبي للأردن. وجاء التعبير الشعبي القريب من الوجدان الأردني: «يعتلي لسانه بأبشر، جواباً سابقاً للطلب»، ليقدّم نموذجاً للدولة التي تبادر بالعطاء قبل الاستغاثة، وتحمل مسؤولياتها تجاه محيطها بثقة وثبات.
غير أن أكثر ما منح الخطاب قيمته السياسية الحديثة، كان مصارحة الأردنيين بالواقع دون تجميل. فقد قال جلالته: «أدرك أن الثقة لا تعني إنكار الصعاب أو تجاهلها، بل تعني مواجهتها بوعي ومسؤولية». هذه المقولة نقلت الخطاب من الإطار العاطفي التقليدي إلى خطاب دولة واقعية تدرك حجم التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكنها في الوقت ذاته ترفض الاستسلام لها. وهنا تتجلى حداثة الخطاب السياسي؛ فالمواطن، في ظل التحولات الكبرى، لم يعد يبحث عن خطاب تعبوي بقدر ما يحتاج إلى وضوح وصراحة ويقين بأن مؤسسات الدولة تدرك حجم التحديات وتتعامل معها بعقلانية ومسؤولية.
ثم عمّق جلالته هذا المعنى عندما عرّف الثقة بأنها «اليقين بأن الطريق، مهما طال أو اشتد، لن يوقفنا عن العمل»، ليعيد التأكيد على روح الدولة الأردنية القائمة على الصمود والاستمرار. فالرسالة هنا لم تكن مجرد تفاؤل معنوي، بل إعادة تعريف للثبات الوطني باعتباره فعلاً يومياً قائماً على العمل والإرادة، لا على ردود الفعل المؤقتة. ومن بين سطور الخطاب برزت صورة الأردن الذي لا ينكسر، لأن ما خرج من رحم هذه الأرض الأصيلة «لا يُهزم ولا يُكسر»، مهما اشتدت الضغوط أو تعقدت الأزمات.
ولم يكن ختام الخطاب مجرد تحية بروتوكولية أو سلام سياسي عابر، بل بدا أقرب إلى إعلان مرحلة وطنية جديدة حين قال جلالته: «نمضي معاً متوكلين على الله نحو عقدنا التاسع من الاستقلال». أهمية هذه العبارة أنها لم تتحدث عن المستقبل بصيغة عامة، بل حددت إطاراً زمنياً وسياسياً واضحاً: العقد التاسع للاستقلال، أي الأعوام الممتدة من 81 إلى 90 عاماً على الاستقلال. وكأن جلالته يضع أمام الأردنيين خارطة طريق لمرحلة تستوجب التحضير الوطني والتعبئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بوصفها مرحلة بناء جديدة تتطلب وعياً جماعياً وإرادة دولة.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الخطاب بوصفه انتقالاً من مرحلة إدارة التحديات إلى مرحلة التخطيط طويل المدى، حيث لم يعد المطلوب فقط حماية الاستقرار، بل بناء نموذج أكثر قدرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على ثوابت الدولة وهويتها الوطنية.
وختم جلالته بعبارة ذات وقع وجداني عميق في الثقافة الأردنية: «بيننا عهد يُحفظ في الصدور، الله أعلم به من كل قول»، في إشارة إلى أن العلاقة بين العرش والشعب ليست مجرد علاقة دستورية أو سياسية، بل رابطة تاريخية وقيمية متجذرة في الوعي الوطني الأردني، تقوم على الوفاء والثقة المتبادلة أكثر مما تقوم على الشعارات أو العبارات المعلنة.
بتقديري، خطاب جلالة الملك في الاستقلال الثمانين تجاوز حدود المناسبة التقليدية، ليؤسس لخطاب دولة واقعية وواثقة في آن واحد؛ دولة لا تنكر التحديات، لكنها ترفض الاستسلام لها، وتبني شرعيتها وثقة شعبها على العمل والإنجاز لا على المبالغة والشعارات. كما أن الخطاب منح بعداً استراتيجياً واضحاً للشباب باعتبارهم طاقة العقد التاسع ومحركه الأساسي، وللعشائر الأردنية بوصفها سند الدولة وحاضنة الهوية الوطنية. وعندما خاطب جلالته الأردنيين بعبارات مثل «أهلي وعزوتي الكرام»، وأكد أن «أكتاف أبنائه العراض لا تصغر»، فإنه كان يرسّخ معادلة أردنية واضحة: ثبات في الهوية، ومرونة في إدارة التحديات، وثقة بالمستقبل والعمل. تلك هي الرسالة الأعمق في خطاب الاستقلال الثمانين، وتلك هي ملامح الأردن وهو يقترب من عقده التاسع من الاستقلال، بثقة الدولة وخبرة التاريخ.


اضف تعليقك