
د. زياد أبو الرُّب
الجامعة الألمانية الأردنية
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تنافس الإنسان في بعض المهام، بل أصبح قوة تعيد تعريف ما نعنيه أصلًا بالعمل. نحن لا نواجه موجة إحلال وظيفي تقليدية، بل تحوّلًا أعمق: تفكك “الوظيفة” كوحدة مستقرة، وإعادة تركيبها كمجموعة مهام موزعة بين الإنسان والآلة.
في هذا السياق، لم يعد السؤال الأكثر أهمية: ما الوظائف التي ستختفي؟ بل: هل ستبقى الوظيفة نفسها كما نعرفها اليوم؟
لقد بُني التعليم الجامعي، عبر عقود، على فرضية واضحة: أن هناك مسارًا خطيًا يبدأ بالتخصص، وينتهي بمهنة محددة. غير أن هذا المسار بدأ يتآكل بهدوء. فالمهندس، والمحاسب، وغيرهما من المهن، لم تعد تمارس اليوم بالطريقة نفسها التي دُرّست بها، بل أصبحت أكثر تداخلًا، وأكثر اعتمادًا على أدوات ذكية تعيد تشكيل طبيعة العمل يومًا بعد يوم.
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ الحاجة إلى الإنسان، بل رفع سقف ما يُتوقع منه. لم يعد كافيًا أن يمتلك المعرفة، بل أن يحسن فهمها، وأن يستخدمها في سياقات متغيرة، وأن يتخذ قرارات واعية في ظل معلومات غير مكتملة. وهنا تتغير القاعدة التي قامت عليها الجامعة: ما يتعلمه الطالب لم يعد غاية بحد ذاته، بل مدخل لبناء قدرة أوسع على التفكير والتكيّف.
الطالب اليوم يستطيع الوصول إلى إجابات متقدمة خلال ثوانٍ، لكن ما لا يستطيع الحصول عليه بسهولة هو القدرة على التمييز بين الإجابة الصحيحة والمقنعة، وبين الإجابة السريعة والعميقة. هذه المساحة تحديدًا هي التي ستحدد قيمة الإنسان في سوق العمل القادم.
في الأردن، تبدو هذه التحولات أكثر حضورًا في واقعنا. فمع التوسع في التعليم العالي، ما زالت التحديات المرتبطة ببطالة الخريجين قائمة، وهو ما يشير إلى أن القضية لا تتعلق بعدد الخريجين بقدر ما تتعلق بطبيعة إعدادهم. فالنظام التعليمي يحقق نجاحًا في الوصول إلى الطلبة، لكنه لا يزال بحاجة إلى تطوير أعمق في كيفية إعدادهم لعالم عمل يتغير بوتيرة متسارعة.
المشكلة أن جزءًا من التعليم الجامعي ما زال يقيس جوانب يمكن للأدوات الذكية القيام بها بكفاءة عالية، في حين أن المهارات الإنسانية الأكثر أهمية، مثل التفكير النقدي، والتحليل، واتخاذ القرار، لا تحظى بالقياس الكافي. وهنا تظهر فجوة تحتاج إلى معالجة هادئة وعميقة: ليس فقط بين التعليم وسوق العمل، بل بين التعليم وطبيعة العمل الجديدة.
الاستعداد لهذا التحول لا يكون بإدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى القاعات الصفية فحسب، بل بإعادة تصميم ما يحدث داخلها. المطلوب ليس أن نُعلّم الطلبة كيف يستخدمون الأداة، بل كيف يفكرون في حضورها، وكيف يتعاملون معها بوعي ومسؤولية.
هذا يفتح الباب أمام تطوير حقيقي في أساليب التعليم. فبدلًا من التركيز على نقل المعرفة، يمكن توجيه العملية التعليمية نحو بناء القدرة على حل المشكلات. وبدلًا من الاكتفاء بالامتحانات التقليدية، يمكن اعتماد تقييمات تقوم على المشاريع، والتطبيق العملي، والعمل الجماعي.
ولعل أحد الأمثلة العملية على ذلك، إعادة تصميم بعض المساقات بحيث ترتبط بمشكلات حقيقية من بيئة العمل. فطالب الهندسة، على سبيل المثال، يمكن أن يعمل على مشروع تطبيقي بالتعاون مع جهة صناعية، يستخدم فيه أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، ثم يُقيَّم بناءً على منهجية تفكيره، وقدرته على التحقق من النتائج، واتخاذ القرار المناسب. في مثل هذا النموذج، يصبح التعلم أقرب إلى الواقع، وأكثر قدرة على إعداد الطالب لما ينتظره.
كما أن تعزيز الربط بين الجامعة وبيئة العمل، وتوسيع مساحات التدريب العملي، وتبني نماذج تعليمية مرنة، يمكن أن يسهم في تقليل الفجوة بشكل تدريجي. إلى جانب ذلك، يبرز مفهوم التعلم المستمر كأحد المفاتيح المهمة، حيث لم تعد الشهادة نهاية الرحلة، بل محطة ضمن مسار طويل من التعلم والتطور.
إن التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي ليس تقنيًا في جوهره، بل تعليمي وإنساني. إنه يدعونا إلى إعادة التفكير في دور الجامعة، وفي معنى أن يكون الإنسان متعلمًا في هذا العصر. فكلما تقدمت الآلة في تنفيذ المهام، ازدادت الحاجة إلى إنسان قادر على الفهم، والتفسير، واتخاذ القرار.
قد تنجح الجامعات في تحديث أدواتها، وتطوير برامجها، وإدخال التقنيات الحديثة إلى بيئتها التعليمية. لكن الأهم من ذلك هو قدرتها على إعادة تعريف رسالتها في ضوء هذا التحول.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه بهدوء وتأمل:
هل نُعدّ طلبتنا لوظائف…
أم نُعدّهم لقدرة ستبقى، وتستمر، مهما تغير شكل العمل؟


اضف تعليقك