
طلبة نيوز - بقلم: الأستاذ الدكتور حميد نايف البطاينة
رئيس منتدى الأردن لحوار السياسات
جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حاملاً رسالة أردنية واضحة لا تكتفي بتوصيف الأزمات، وإنما تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في معالجة جذورها، وترجمة المواقف والقرارات إلى خطوات عملية.
وفي صلب الخطاب، حضرت القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع ومفتاح الاستقرار في المنطقة. فقد أكد جلالة الملك أن استمرار الحرب في غزة، وما تشهده الضفة الغربية والقدس من تطورات، لا يمكن أن يقود إلى السلام، وأن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر حل سياسي عادل يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين، ووفق المرجعيات الدولية.
وهنا يتجلى أحد أبرز الثوابت الأردنية: لا استقرار في المنطقة من دون حل القضية الفلسطينية، ولا سلام مستدام من دون قيام الدولة الفلسطينية، ولا يمكن أن تكون إدارة الصراع بديلاً عن إنهائه.
كما حضرت القدس في الخطاب باعتبارها جزءاً أصيلاً من القضية الفلسطينية، وفي إطار مكانتها الدينية والتاريخية، والدور الأردني الهاشمي في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية، والحفاظ على وضعها التاريخي والقانوني.
وفي الوقت ذاته، أكد الخطاب أن الدفاع عن القضية الفلسطينية لا ينفصل عن حماية الأردن ومصالحه الوطنية. فقد وضع جلالة الملك أمن الحدود الشمالية والأمن المائي في إطار الأمن القومي الأردني، في رسالة تؤكد أن الأردن يتعامل مع التطورات الإقليمية من منظور حماية سيادته وأمنه ومصالحه، مع الاستمرار في أداء دوره في دعم أمن المنطقة واستقرارها.
ومن المنظور الأردني، فإن أمن المملكة ليس منفصلاً عن أمن محيطها العربي؛ فما يجري في فلسطين وسوريا وسائر المنطقة ينعكس على منظومة الأمن الإقليمي. ولذلك جاء التأكيد على احترام سيادة الدول ورفض تغيير الوقائع بالقوة، باعتبار ذلك أساساً ضرورياً لمنع اتساع دائرة الصراع وإعادة المنطقة إلى مسار الاستقرار.
والرسالة الأخرى التي حملها الخطاب إلى المجتمع الدولي هي أن القانون الدولي لا يمكن أن يكون انتقائياً، وأن القرارات الدولية تفقد معناها إذا بقيت دون تنفيذ. فمصداقية النظام الدولي، وفق المنظور الذي طرحه جلالة الملك، تُقاس بقدرته على حماية الحقوق وتطبيق قواعده بعدالة، وليس بمجرد إصدار البيانات والقرارات.
ومن هنا، فإن الخطاب الملكي يجمع بين ثلاثة مستويات مترابطة: الثابت الأردني، والمسؤولية العربية، والمسؤولية الدولية. فالأردن يتمسك بحماية أمنه وسيادته ومصالحه، ويدافع عن الحقوق الفلسطينية، ويدعو في الوقت نفسه إلى نظام إقليمي يقوم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي والحلول السياسية.
إن قوة الخطاب الملكي تكمن في أنه وضع القضايا أمام العالم ضمن معادلة واضحة: لا سلام بلا عدالة، ولا استقرار بلا حقوق، ولا أمن مستدام من دون معالجة جذور الصراعات.
وهذه هي الرسالة التي حملها الأردن إلى الأمم المتحدة: أن السلام الحقيقي لا يُبنى بإدارة الأزمات، وإنما بحلها، وأن الاستقرار لا يتحقق بتجاهل حقوق الشعوب، وأن حماية الأردن وأمنه وسيادته ومصالحه الوطنية تبقى من الثوابت التي لا تقبل المساومة.
وفي لحظة تتزايد فيها التحديات الإقليمية والدولية، جاء صوت الأردن واضحاً: السلام العادل هو الطريق، والحقوق هي أساس الاستقرار، واحترام القانون الدولي هو الإطار الذي لا يمكن تجاوزه.


اضف تعليقك