TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
جامعات اليوم... ووظائف الغد
22/07/2026 - 7:15pm

الدكتور زياد أبو الرب
الجامعة الألمانية الأردنية
يدخل آلاف الطلبة الجامعات الأردنية كل عام وهم يعتقدون أن اختيار التخصص هو القرار الأصعب في رحلتهم التعليمية. لكن السؤال الأصعب قد يكون: هل ستبقى الوظيفة التي يستعدون لها موجودة بالشكل نفسه عند تخرجهم؟ فالطالب الذي يبدأ دراسته اليوم قد يبقى في سوق العمل حتى ستينيات هذا القرن، في وقت تتغير فيه المهن والمهارات بوتيرة أسرع من قدرة كثير من الجامعات على تعديل برامجها وخططها الدراسية.
السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعات الأردنية ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر في سوق العمل، فقد بدأ هذا التأثير بالفعل، بل ما إذا كانت الجامعات تتحرك بالسرعة الكافية لإعداد طلبتها لعالم يتغير قبل أن تنتهي من مراجعة مساق أو تحديث خطة دراسية.
لا أحد يستطيع أن يحدد بدقة ما سيكون عليه الذكاء الاصطناعي عام 2040. فالتقنية لا تسير وفق جدول زمني ثابت، ولا يملك أكثر الخبراء ثقة إجابة قاطعة عن اللحظة التي ستنتقل فيها الأنظمة الذكية من مستوى إلى آخر. لكن الاتجاه العام بات واضحًا: قدرات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة، وكلفة استخدامه تنخفض، وانتشاره في المؤسسات يتسع، بينما يتقدم التعليم والتشريع وإعادة تأهيل القوى العاملة بوتيرة أبطأ.
نحن اليوم في مرحلة الذكاء الاصطناعي المساعد. فهو يكتب ويحلل ويترجم ويبرمج ويلخص ويقترح، لكنه لا يزال يعمل، في معظم الحالات، تحت توجيه الإنسان. وقد أصبح الموظف أو الطالب الذي يجيد استخدام هذه الأدوات قادرًا على إنجاز أعمال كانت تحتاج سابقًا إلى وقت أطول أو إلى فريق كامل. ولهذا فإن أول فجوة أحدثها الذكاء الاصطناعي ليست بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يعرف كيف يعمل معها وآخر ما زال يعمل من دونها.
وخلال السنوات المقبلة، قد ننتقل من المساعد الذي ينتظر السؤال إلى الوكيل الذي يتلقى هدفًا وينفذ سلسلة من الخطوات لتحقيقه. سيجمع المعلومات، ويستخدم البرامج، ويتابع الإجراءات، ويراجع النتائج، ثم يعود إلى الإنسان بما أنجزه وما يحتاج إلى قرار. عندها لن تكون الأتمتة محصورة في مهمة صغيرة، بل ستدخل في صميم العمليات الإدارية والمهنية.
وسيكون لهذا التحول أثر خاص في الوظائف التي يبدأ بها الخريجون حياتهم العملية. فكثير من الأعمال الأولية تقوم على جمع البيانات، وإعداد المسودات، والتلخيص، والترجمة، والتحليل الأولي، وكتابة التقارير، والبرمجة البسيطة. وهذه تحديدًا من أسرع المهام تأثرًا بالذكاء الاصطناعي.
وهنا تبرز مشكلة قد تكون أكثر خطورة من اختفاء بعض الوظائف نفسها: كيف يكتسب الخريج خبرته الأولى إذا تقلصت الوظائف المبتدئة التي كانت تمنحه هذه الخبرة؟ وكيف ينتقل إلى مستوى مهني متقدم إذا تولت الأنظمة الذكية كثيرًا من الأعمال التي كانت تمثل بوابة دخوله إلى المهنة؟
لكن ذلك لا يعني أن العالم يتجه بالضرورة إلى بطالة شاملة. فالتقارير الدولية تتوقع ظهور وظائف جديدة بالتوازي مع تقلص وظائف أخرى أو اختفائها. غير أن الوظائف الجديدة لن تظهر بالضرورة في القطاع نفسه أو الدولة نفسها، ولن تحتاج إلى المهارات نفسها. وقد يخلق الاقتصاد فرصًا جديدة، لكنه لا يضمن أن ينتقل من فقد وظيفته القديمة تلقائيًا إلى وظيفة المستقبل.
ومع مطلع الثلاثينيات، من المرجح أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تخصصًا في الطب والهندسة والقانون والتعليم والبحث العلمي وإدارة الأعمال. ولن يعني ذلك اختفاء الطبيب أو المهندس أو الأستاذ، بل تغير نقطة القيمة في عمله. فالطبيب سيحتاج أكثر إلى فهم المريض واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. والمهندس سيحتاج إلى تحديد المشكلة، والتحقق من الحل، ومراعاة السلامة والكلفة والسياق. أما الأستاذ الجامعي فلن يستطيع أن يبني قيمته على نقل معلومات يستطيع الطالب الوصول إليها خلال ثوان.
أما ما بين 2035 و2040، فالمشهد أكثر غموضًا. قد تظهر أنظمة عامة نسبيًا تستطيع العمل في مجالات متعددة وتنفيذ نسبة كبيرة من المهام المعرفية، وقد يتباطأ التطور بسبب حدود الطاقة والبيانات والكلفة والسلامة والتنظيم. ولذلك يجب التعامل مع أي حديث عن الذكاء الاصطناعي عام 2040 بوصفه سيناريو محتملًا، لا نبوءة علمية مؤكدة.
ومع ذلك، تكاد جميع السيناريوهات تتفق على أمر واحد: ستتراجع القيمة النسبية لحفظ المعلومات واسترجاعها، وسترتفع قيمة صياغة الأسئلة، وتحديد المشكلات، والتحقق من النتائج، والربط بين التخصصات، واتخاذ القرار، والتواصل، والإبداع، والحكم الأخلاقي.
ولا يعني ذلك أن المعرفة الأساسية لم تعد مهمة، فالإنسان لا يستطيع تقييم إجابة لا يفهم موضوعها. لكن المعرفة التي لا تتحول إلى قدرة على التحليل والتطبيق والنقد ستفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها المهنية.
ومن هنا تبدأ أزمة الجامعة. فما زالت كثير من البرامج الأكاديمية مصممة حول افتراض أن الطالب يتعلم كمية من المعلومات، ثم يتخرج ليطبقها في وظيفة واضحة المعالم. لكن سوق العمل الجديد لا ينتظر خريجًا يحمل اسم تخصص فقط، بل يبحث عن شخص يجمع بين معرفة المجال، والقدرة الرقمية، والمرونة، والاستعداد للتعلم المستمر.
وفي الأردن، حيث ترتفع البطالة بين الشباب والخريجين، وتتسع الفجوة بين بعض التخصصات والفرص المتاحة، لا يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ملفًا تقنيًا منفصلًا. فهو يمس سياسات القبول، والخطط الدراسية، وأنماط التدريب، وطرق التقييم، وقدرة الجامعات على بناء برامج مرنة لا تتقادم سريعًا.
كما أن الذكاء الاصطناعي يضع التقييم الجامعي أمام سؤال جوهري. فإذا كان النظام يستطيع إعداد تقرير أو حل مسألة أو كتابة برنامج أو إنتاج عرض خلال دقائق، فما الذي نقيسه عندما نطلب من الطالب المهمة نفسها خارج قاعة الصف؟ وهل نقيس تعلمه، أم قدرته على الحصول على إجابة جاهزة؟
المواجهة لا تكون بمنع التقنية، لأن أدوات المنع ستبقى أبطأ من أدوات الاستخدام، بل بإعادة تصميم التقييم ليقوم على المشروع الواقعي، والمناقشة الشفهية، والدفاع عن الحل، والتطبيق العملي، وتوثيق خطوات العمل، والقدرة على نقد ما ينتجه الذكاء الاصطناعي.
وسيتغير دور الأستاذ الجامعي أيضًا. لن تختفي الحاجة إليه، بل قد تزداد، لكن ليس بوصفه الناقل الوحيد للمعلومة. سيصبح مصممًا لخبرة التعلم، وموجهًا للتفكير، وضامنًا للجودة والنزاهة، ومشرفًا على الانتقال من الإجابة السريعة إلى الفهم العميق.
وقد يبدو في البداية أن الاقتصادات التي تعتمد على أجور أقل أو وظائف تقليدية أكثر حماية من الذكاء الاصطناعي. لكن هذه الحماية قد تكون مؤقتة. فإذا استطاعت مؤسسة في دولة أخرى أن تنتج بجودة أعلى وكلفة أقل باستخدام الذكاء الاصطناعي، فقد نخسر الوظيفة حتى لو لم تدخل التقنية إلى مكان العمل المحلي. فالخطر ليس فقط أن تستبدل الآلة موظفًا أردنيًا، بل أن تستبدل مؤسسة أكثر تقدمًا مؤسسة محلية تأخرت في التكيف.
ولهذا لا يكفي أن تضيف الجامعات مساقًا عامًا في الذكاء الاصطناعي إلى كل خطة دراسية، ثم تعتقد أنها أصبحت جاهزة للمستقبل. المطلوب تحول أعمق يمس بنية البرنامج الأكاديمي وتجربة الطالب كاملة.
وأرى أن أمام الجامعات الأردنية خمس أولويات لا تحتمل التأجيل.
الأولى، مراجعة البرامج الأكاديمية بصورة دورية وسريعة، بحيث لا تبقى الخطط الدراسية سنوات طويلة من دون تحديث حقيقي، وأن تصبح مراجعة المهارات والمخرجات جزءًا مستمرًا من عمل الأقسام والكليات.
الثانية، إدماج الذكاء الاصطناعي داخل كل تخصص، لا تركه لطلبة الحاسوب وحدهم. فطالب الطب يحتاج إلى فهم تطبيقاته في التشخيص، وطالب الهندسة في التصميم والمحاكاة، وطالب الأعمال في التحليل واتخاذ القرار، وطالب العلوم الإنسانية في البحث والنقد والتحقق.
الثالثة، إعادة تصميم التقييم الجامعي، والانتقال من الواجبات التي يسهل توليدها إلى التقييم القائم على الأداء، والمشروعات، والمناقشات، والتطبيق العملي، والدفاع عن الأفكار.
الرابعة، توسيع الدراسات الثنائية والتدريب الممتد والشراكات الحقيقية مع القطاع الخاص، بحيث يشارك أصحاب العمل في تصميم البرامج وتقييم المهارات، لا أن يقتصر دورهم على استقبال الطلبة لفترات تدريب قصيرة وشكلية.
الخامسة، التحول من جامعة تمنح شهادة واحدة إلى جامعة ترافق المتعلم طوال حياته، من خلال الشهادات المصغرة، والتعلم مدى الحياة، والمسارات المرنة، والاعتراف بالتعلم السابق، وبرامج إعادة التأهيل المهني.
إن المنحنى الذي يجب أن يقلقنا ليس منحنى صعود الذكاء الاصطناعي وحده، بل اتساع المسافة بين سرعة تطوره وسرعة استجابة التعليم. ففي هذه المسافة تنشأ البطالة الهيكلية، وتتقادم المهارات، وتتراجع قدرة الخريج على المنافسة.
وليس المطلوب أن تتنبأ الجامعة بدقة بوظائف عام 2040، فهذا أمر لا يستطيع أحد ضمانه. المطلوب أن تخرج إنسانًا قادرًا على التعلم عندما تتغير المعرفة، وعلى إعادة بناء مهاراته عندما تتغير المهنة، وعلى استخدام الآلة من دون أن يتنازل لها عن عقله ومسؤوليته وقيمه.
فالسؤال لم يعد كم طالبًا تقبل جامعاتنا، ولا كم شهادة تمنح، بل أي إنسان تعده لعالم لم تتضح ملامحه بعد. والجامعة التي تواصل إعداد طلبتها لوظائف الأمس قد تمنحهم شهادة اليوم، لكنها تتركهم وحدهم أمام سوق الغد.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)