
طلبه نيوز
د. نزار قبيلات
في معظم دول العالم ثمة عاصمة تجارية وعاصمة سياسية، وثمة أيضا عاصمة فنية تنتشر فيها المسارح والمتاحف ودور السينما، إنه توازن تخلقه هاتيك الدول لتراعي تاليا التوازن الذي خلقته طوبغرافيا المدن والحواضر فيها، غير أننا في الاردن اختزلنا ذلك في مشهد عمّاني وحيد، إذ فوت مشروع الدولة الاردنية الأول فرصة إنقاذ عمان مستقبلا من تكدس يثقل اليوم كاهل المدينة ويجعلها تضيق ذرعا بالعبء السكاني المهول ولتغرق ملامحها خلف مظاهر الازدحام المروري والاسكاني، فغزتها غابات الاسمنت والحجر نتيجة زحف بشري رفع مستوى المعيشة وزاد تكاليفها، فارتفع ثمن كل شيء في عمّان بما في ذلك ثمن قارورة الماء.
الزاحفون من القرى والبلدات البعيدة يدفعون بدورهم ضريبة البعد عن العاصمة وضريبة الوجود فيها في آن، فأسياج عمان اليوم تواجه داخليها ومن شتى المداخل والأطراف"برادرات" شرطة السير وبغلاء الوقود والزمن؛ تركوا محافظاتهم من دون خيار فجلّ أعمالهم ومديرياتهم تتمركز في عمان، حيث عصب الدولة والعين التي لا تنام، فذبلت الجفون وكادت تضمحل، لتستشعر الدولة الخطأ اليوم وتتجه لمشروع تنمية محافظاتها التي بان الفقر فيها وانتشرت البطالة بين شبابها وهم الذين يجدون صعوبة حقيقية في الحصول على عمل يوازي ثمن ما يدفعونه كبدلٍ للمواصلات أو الاستئجار في العاصمة، نعم كان التخطيط السكاني غائبا، فتجلّت المركزية المرهقة بكامل أهبتها، لتكون عمان محط حلمٍ ينشده المواطنون قبل الأشقاء العرب.
إن لكل مدينة أردنية خصوصيتها التي تنفرد بها؛ فمن ثغر الأردن الباسم وحتى عروس الشمال، مدن أردنية لها خصوصيتها التراثية والجغرافية فقد كان بالإمكان أن تنمّى تلك قبلا وتستثمر فيها إمكانات الجغرافية والإنسان، فلو بقيت الحال على ما هي عليه لاستمرت عمان في التضخم والغلاء ولتحولت المدن الأخرى إلى بيئات طاردة لا ينفع فيها إنشاء جامعة أو مستشفى، إذ على الدول البحث عن أسباب هجرة المدن والأرياف بحثا عن العاصمة وإيجاد ما يمكنه أن يخفف العبء عن عمان وينقذها من الالتهاب الكبير الذي أصابها.


اضف تعليقك