TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
النخبة الأكاديمية الحقيقية: صُنّاع التميز في زمن التفاهة
19/07/2025 - 12:00pm

د. هاني الضمور

في وقتٍ تشهد فيه الأكاديميا العالمية اضطرابًا متزايدًا، وتُخترق فيه الجامعات أحيانًا بضغوط السوق والشعبوية، تظل هناك نخبة أكاديمية حقيقية، تقف بثبات في مواجهة الموجة، وتحمل على عاتقها رسالة الجامعة الأصيلة: صناعة الإنسان، وتطوير المعرفة، وخدمة المجتمع.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز في جامعاتنا – وعلى رأسها الجامعات الأردنية – أساتذة وعلماء متميزون، لا تُحرّكهم ضوضاء التصنيفات التجارية، بل يوجّههم إيمان راسخ بالتصنيفات العالمية النوعية التي تقيّم أثر البحث، وجودة التعليم، وقيمة الخريج. هذه النخبة هي التي تمثّل العمق الأكاديمي الحقيقي، لا الواجهة الاستعراضية الزائفة.

بينما يتصدر بعض “الأكاديميين الديكوريين” الواجهة الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يبني هؤلاء الأساتذة الحقيقيون أثرهم في الصمت، داخل المختبرات، وقاعات التدريس، ومراكز البحث العلمي. لا يلهثون خلف الأضواء، لأنهم منشغلون بصناعة المعنى، لا التسويق للواجهة. لا يتحدثون عن النزاهة الأكاديمية، بل يُمارسونها كل يوم في سلوكهم، وإشرافهم، ومخرجاتهم العلمية.

النخبة الحقيقية تدرك الفارق بين التصنيفات التي تعتمد على الإنجازات البحثية الرصينة، والنشر في المجلات المحكمة ذات السمعة الدولية، وبين تلك التي تُبنى على الحملات الإعلامية والتسويق المدفوع. ولهذا فهي تعمل بوعي أكاديمي، وإخلاص علمي، يضع الجودة قبل الكمية، والمحتوى قبل المظهر.

وهذه الجهود تثمر في أوضح صورها في خريجي الجامعات الأردنية، الذين أثبتوا في مختلف أنحاء العالم أنهم أبناء مدارس علمية حقيقية. تجدهم في أعرق المستشفيات، وأهم مراكز الأبحاث، وشركات التقنية العالمية، والمجالس العلمية، يتركون بصماتهم بكل كفاءة. هم نتاج منظومة أكاديمية قاومت الانحدار، وصنعت التميز، رغم شحّ الإمكانيات أحيانًا، وضغوط الواقع كثيرًا.

وما يُحسب لهذه النخبة في جامعاتنا أنها توازن بين الإخلاص المحلي والانفتاح العالمي، فتعتمد على المعايير الأكاديمية المعترف بها دوليًا، وتنخرط في بحوث عابرة للحدود، لكنها لا تتنازل عن خصوصية رسالتها الوطنية، ولا تنجر وراء صرعات تسويقية فارغة.

ومع ذلك، تواجه هذه النخبة تحديات حقيقية، أهمها التهميش الإعلامي، وغياب التقدير المجتمعي أحيانًا، وسط ضجيج “المؤثرين الأكاديميين” الذين يُقدَّمون في الواجهة، ليس بناءً على إنجازاتهم، بل بناءً على قدرتهم على صناعة التفاعل الرقمي. أولئك الذين يتحدثون عن “الاعتماد”، و”الجودة”، و”التصنيفات”، بينما هم لم يساهموا يومًا في ورقة بحث محكمة، أو مشروع أكاديمي جاد.

لقد أصبح من الضروري التمييز الواضح بين النخبة الحقيقية، التي تنتمي إلى الجامعة فكريًا ومعرفيًا، وبين من يستخدم الجامعة كوسيلة عبور نحو مجد شخصي زائف. بين من يدرّس من أجل بناء العقل، ومن يطل عبر الشاشة من أجل عدد المشاهدات. بين من يحترم التصنيفات النوعية المبنية على أثر البحث والتدريس، ومن يروّج لنفسه عبر تصنيفات تجارية لا وزن علمي لها.

والأهم من ذلك، أن يتم تسليط الضوء على هذه النخبة، لا من باب المجاملة، بل من باب استعادة التوازن الأكاديمي. فبقدر ما نواجه خطر الترويج للتفاهة باسم العلم، يجب أن نُبرز نماذج العطاء الحقيقي، لأن بها تنهض الجامعات، وتتجدّد الثقة في التعليم العالي.

فالجامعة ليست مبانٍ ولا شعارات، بل هي من فيها من أساتذة يؤمنون بالمعرفة كرسالة، وبالطالب كشريك في صناعة المستقبل، وبالعلم كوسيلة لبناء مجتمع لا مجرد تزيين سيرة ذاتية.

لهؤلاء نقول: أنتم المعنى الحقيقي للتعليم. أنتم الثروة الوطنية التي لا تُقدّر بثمن. في زمن طغى فيه الاستعراض على العمق، والكمّ على النوع، ما زلتم تكتبون بلغة العقل، وتُعلّمون بضمير، وتُخرّجون من يحفظ للجامعة اسمها، وللعلم رسالته.

ومهما تعاظم الضجيج، سيبقى لصوتكم وزن. لأن البقاء في النهاية… للفكر لا للواجهة.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)