TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
المثقّف والنزاعات الداخلية
22/05/2014 - 12:30pm

طلبة نيوز-أ.د. صلاح جرّار

ما الموقف الذي ينبغي للمثقف أن يتّخذه في حال نشوب نزاعات داخلية داخل وطنه، وما الدور الذي يجب عليه ممارسته إذا نشبت فتنةٌ داخلية مثل تلك التي تجتاح كثيراً من أقطارنا العربيّة في سوريا ولبنان ومصر وليبيا والعراق والسودان واليمن وتسفك من جرّائها الدماء؟! هل يختار فريقاً من الفريقين المتنازعين ممّن يتّفق معه في الانتماء السياسي وفي الآراء والمواقف ويدافع عن هذا الفريق ويسعى إلى إنهاء وجود الفريق الآخر، أم يقف بين الفريقين ويتجرد من مشاعره ومواقفه الشخصية ويسعى للتوفيق والتقريب بين الطرفين المتنازعين ويسعى بوسائله وأدواته الثقافية إلى التخفيف من حدّة النزاع وتحويله إلى اختلاف في الرأي والمذهب السياسي والفكري دون ترجمته إلى صراع دمويّ، وأن يعمل على إدارة الاختلاف بحيث يتحول إلى صورة من صور التنافس البنّاء الذي يصبّ في مصلحة الناس والوطن والمجتمع والتطوّر والنهضة؟!
ليس المطلوبُ أن يتخلى المثقف، أو غير المثقّف، عن مبادئه وآرائه ومواقفه وانتماءاته الفكرية والسياسية والدينية والمذهبيّة، فربّما هي التي أدرجته في صفوف المثقفين، ولكن إذا تجاوز المثقف حدود هذا الانتماء إلى أي شكل من أشكال التعصب أو تبني الدعوة بإنهاء وجود الفريق المخالف لآرائه داخل مجتمعه، فإنّه يتجاوز رسالة المثقف ودوره. إنّ دور المثقف في حال النزاعات الداخلية أصعب بكثير من حال الذين يحملون السلاح لقتال الطرف الآخر وتصفيته، وأصعب بكثير من حال الذي ينساق وراء التعصّب المذهبي والفكري والسياسيّ والعرقيّ وغيره، فهؤلاء سلاحُهم جاهزٌ وموجود بوفرة ولا يحتاجون إلى جهد كبير للحصول عليه واللجوء إليه واستخدامه، أمّا المثقّف الحقيقي والجذري والمنتمي لأمتّه ووطنه ومجتمعه والحريص على مصلحة المجتمع برمته وعلى سلامة المجتمع وأمنه واستقراره وازدهاره وتطوّره وعدم إراقة قطرة دم واحدة لأيّ من أبنائه، فسلاحه نادر الوجود وعليه أن يصنعه بنفسه، لأنّه سلاح الفكر والعقل والمنطق والحوار، ويحتاج المثقف إلى مهارة بالغة في استخدمه في أداء دوره ورسالته.
إنّني أرى أن دور المثقّف ليس في تأجيج الصراع – إلاّ إذا كان ضدّ عدوٍ خارجيّ – وإنّما في السعي إلى توحيد الصفّ ولمّ الشعث وإخماد نيران الصراعات الداخليّة من خلال إشاعة المحبّة بين الناس وجمعهم على المصالح الوطنية المشتركة.
وأمّا استناد كثير من أدعياء الثقافة إلى قوله تعالى: ( فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي) فإنّ تحديد الفئة الباغية ليس من صلاحيّة أيّ عابر سبيل، بل لا بدّ لذلك من آليات شرعية متفق عليها على مستوى الأمّة جمعاء.
إنّ عيون الناس تتجه في العادة عند وقوع الفتن والأزمات السياسية إلى أهل الفكر والثقافة، فلا يجوز للمثقفين في هذه الحالة أن يخيّبوا أمل الناس بهم، ولذا فإنّ على المثقفين في مثل ما نمرّ به من أزمات أن لا يسهموا بأيّ صورة في تأجيج الصراعات الداخلية والمجاهرة بالانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك والدفاع عنه، وعليهم أيضاً أن يقوموا بدورهم في رفع درجة الوعي بين أفراد المجتمع وأن يعملوا على تخليص المجتمع من الكراهية والتعصّب والنزعات العدائية الداخلية وأن يوجّهوا هذه النزعات نحو العدوّ الخارجي وأيّ أخطار أخرى تهدّد الوطن ومصالحه.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)