TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
المؤهل العلمي أم الخبرة؟
09/02/2020 - 6:00am

د. علي المستريحي.‏
بدا لافتا ورائجا بالآونة الأخيرة ذلك الطرح الذي يردده البعض ومفاده أن للخبرة العملية أهمية تفوق الدرجة ‏العلمية من أجل النجاح بأداء أية وظيفة. بل ذهبت فئة لأكثر من ذلك، واعتبرت أن لا أهمية حقيقية للدرجة ‏العلمية كشرط أو متطلب سابق لتحقيق النجاح. الفئة التي تؤمن بهذا الطرح غالبا ما تشير لأمثلة من بعض ‏القادة الذين حققوا نجاحا لافتا دون أن تتوفر لديهم درجات علمية مهمة، والقول أن معظمهم ترك الدراسة ‏بوقت مبكر. الأخطر من ذلك هو إطلاق حكم وتعميم عام على جميع تلك الحالات بما يتفق وذلك واعتقادهم. ‏أما الأمثلة على تلك الشخصيات فعادة تكون ستيف جوبر (أبل)، لاري ايليسون (أوراكل)، مايكل ديل ‏‏(ديل)، ريشارد برانسون (فيرجن)، مارك زوكربيرغ (فيسبوك) وغيرهم. ‏
المتتبع للظاهرة يرى جليا أن الكثير من دعاة التقليل من شأن وأهمية التأهيل العلمي وممن يجادلون بعدم ‏جدواه (وكثير منهم ممن يشتغلون بما يعرف مؤخرا بالتنمية البشرية) بدأوا يروجون للناس فكرتهم، فتلقى ‏قبولا لافتا! الاشكال أن هؤلاء يحملون فهما خاطئا ومضللا للفرق النسبي بين المؤهل العلمي والخبرة من ‏حيث أهمية كل منهما وتوظيفه بالشكل المناسب. ‏
إن حمل هذا الاعتقاد على اطلاقه أمر خطير ومضلل للغاية، بل وقد ينتج عنه آثارا مدمرة للمنظومة القيمية ‏والتعليمية للمجتمع. فللنجاح بأية وظيفة هناك دائما اعتبارات وعوامل أخرى كثيرة إلى جانب الخبرة يجب ‏النظر اليها، تتعلق بمجملها بطبيعة الوظيفة نفسها، ومتطلبات القيام بها، وحدود صلاحياتها، وطبيعة ‏مسؤولياتها، والأدوار التي تؤديها، ومستواها في الهيكل التنظيمي، ومتطلبات العمل بالمؤسسة نفسها، ومدى ‏مساهمة الوظيفة بتحقيق المؤسسة لأهدافها (وذلك ما يعرف بالوصف الوظيفي ‏Job Description‏). ‏وبناء على كل ذلك، يتم تحديد مواصفات شاغل الوظيفة ‏Job Specification‏ من مؤهل علمي ‏ومهارات وقدرات ومعارف وخبرات وغيرها مطلوبة لمساعدة الفرد في أدائه لمهام تلك الوظيفة بكفاءة ‏واقتدار. ‏
‏ أما الأمثلة من نماذج الشخصيات التي نجحت دون درجات علمية، فيمكن النظر إليها كحالات استثنائية، ‏ولا يمكن أن تستخدم لغايات التعميم أو الحكم المطلق. فمثلا، قد يكون سبب ترك الكثير منهم لمدارسهم ‏وجامعاتهم ناتجا بالأساس عن فشل تلك المدارس والجامعات في استيعاب وفهم قدراتهم العلمية المتميزة ‏وذكائهم الخارق والتعامل معها بما يناسبها، بل وربما لم تتوفر فيها ما يناسب تلك القدرات وذلك الذكاء من ‏تخصصات أصلا. وللعلم، فإن الكثير من هذه الفئة قد حاول غير مرة العودة للدراسة واستكمال تعليمه أو ‏تغيير تخصصه. النظريات الحديثة بمجال التعليم تؤمن بأن هذه الفئة من أصحاب القدرات العلمية ‏‏"المختلفة" تحتاج لنظم وبيئات ومواد تعليمية استثنائية وغير تقليدية، بل واعتبارها من فئة أصحاب ‏الحاجات الخاصة. ‏
إن محاولة البعض التقليل من شأن الدرجة العلمية يتعارض مع أبسط قواعد التقدم والتطور الذي نعيشه ‏اليوم. فما يشهده عالم اليوم من تقدم حياتي وتكنولوجي في الطب والهندسة والفضاء والكيمياء والزراعة ‏والحاسوب والإدارة وصناعة السيارات وبكل مجالات حياتنا لم يكن إلا بنظرية، والنظرية هي العلم، وهي ‏القواعد الأساسية للبناء. فوصول الإنسان إلى القمر والمريخ لم يكن بالخبرة، ومن منا لا يدرك مساهمة ‏المعادلات الرياضية في فك ألغاز الكون الكثيرة؟ ونتساءل، كيف لدولة أو لمؤسسة أو لوحدة تنظيمية ما أن ‏تتقدم وتنهض إلا بخطة؟ حتى الحرب، لا تبدأ إلا بخطة، والخطة هي النظرية.‏
وبالمجمل، الفرق شاسع بين من يحمل أو لا يحمل مؤهلا علميا. فميكانيكي مكيفات السيارات صاحب ‏الخبرة الطويلة (بمؤهل علمي متواضع) لديه معرفة بنوع محدد من مكيفات السيارات خبره وألف أعطاله، ‏ولكن صاحب المؤهل (ذي الخبرة الأقل) لديه معرفة أوسع بكيفية ومبدأ عمل المكيف وإن اختلف نوعه، ‏ويستطيع أن يتتبع المشكلة ويعرف الحل. وبهذا، فإن صاحب المؤهل لديه قدرة أكبر على تشخيص المشكلة ‏‏(وتشخيصها يمثل أكثر من نصف الحل)، بينما من يفتقد المؤهل يعتمد غالبا على طريقة التجربة والخطأ ‏trial & error‏ للوصول الى الحل، وذلك مكلف جدا. الأمر نفسه ينسحب على كثير من الوظائف التي ‏تتطلب الحد المطلوب من التأهيل العلمي كالطبيب والمعلم والقاضي وغيرهم. ومع ذلك، فحتى هذا لا يجب ‏أن يحمل على اطلاقه. ومرة أخرى، فالعوامل المتعلقة بالوظيفة نفسها وبالمؤسسة، وقد ذكرناها سابقا، هي ‏التي تحدد متطلباتها من التأهيل العلمي والخبرة المطلوبة لأدائها. وبشكل عام، كلما زادت درجة تعقيد ‏الوظيفة أو ارتفع موقعها بالمستوى التنظيمي، زادت أهمية توافر المعارف العلمية والقدرات الذهنية ‏لشاغلها لفهم المشكلات واتخاذ القرارات الصحيحة، وذلك كله يتطلب تأهيلا وتدريبا خاصا. ويمكن هنا ‏اعتبار العكس صحيح أيضا، فتظهر أهمية أكبر لعامل الخبرة بالوظائف ذات الطبيعة العمومية غير ‏التخصصية (وبالطبع، مع التأكيد على الحفاظ على الحد الأدنى من المؤهل العلمي المطلوب لأدائها). ‏الجدير بالفهم هنا أن منحنى مستوى فاعلية أداء كل من صاحب الخبرة وصاحب التأهيل يسيران بشكل ‏معاكس. فعند البداية عادة يكون مستوى أداء صاحب التأهيل (ذي الخبرة البسيطة) متواضعا مقابل الأداء ‏العال لصاحب الخبرة (ذي التأهيل البسيط)، ولكن بمرور الوقت، يرتفع مستوى أداء صاحب التأهيل ‏أضعافا مضاعفة بينما يستقر منحى أداء صاحب الخبرة عند حاجز معين لا يمكن تجاوزه إلا من خلال ‏عمليات التدريب والتأهيل!‏

أرى أن ترديد البعض بعالمنا العربي لعدم أهمية الدرجة العلمية هو نتيجة تردي القيم المجتمعية، والناتجة ‏هي الأخرى عن السياسات العامة المدمرة لبعض حكوماتنا العربية بإهمال وظيفة التعليم والبحث العلمي ‏وضعف الاستثمار فيهما، مما نتج عنه تفشي ظاهرة تضخم الشهادات "الورقية" بلا تأهيل حقيقي و"العلماء" ‏الذين يفتقدون للعلم. كل ذلك أدى إلى الحط من قيمة التعليم، فاختلط الحابل بالنابل لدى الناس، واعتقدوا أن ‏العلم لا ينفع، وترسّخ بأذهان الكثير منهم أن الدرجة العلمية لا تساوي شيئا ولا قيمة لها! فتكريس هذه الفكرة ‏لتصبح ثقافة عامة يؤدي إلى المزيد من الغرق بحالة الانحطاط والتردي. فنجد بالوقت الذي يبحث فيه ‏العلماء عن مصل لمكافحة فايروس كورونا، يمتلئ الفيسبوك لدينا لأذنيه بدعوات يطلقها بني جلدتنا بتكرار ‏قراءة الدعاء الذي يجنبنا المرض! وهذا من وجهة نظرنا يفسر لنا جانبا من تخلفنا، فلم نقدم للعالم الحديث ‏شيئا نذكر فيه، فالدول الناهضة أصلا، أو تلك التي نهضت مؤخرا، أغلبها، إن لم يكن كلها، كان التعليم فيها ‏على رأس سلم أولوياتها. ‏وفي هذا السياق أتساءل: إن لم يكن للمؤهل العلمي ذلك القدر من الأهمية، اذن ‏لماذا كل هذه المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي بالعالم، ولماذا كل هذا الاستثمار الهائل فيها؟ وثمة ‏سؤال على الهامش، كيف لطالب حديث التخرج من الحصول على وظيفة؟
وثمة كلمة أخيرة نقولها دائما، أنه لو توافرت لدى الكثير من الذين نجحوا بحياتهم المهنية فرص التعليم التي ‏تناسبهم لكانوا أكثر نجاحا، ولو توافرت لدى الكثير ممن لم تسعفهم ظروفهم الحصول على تعليم مناسب ‏لنالوا حظا وافرا من النجاح، ولو توافرت لدى الكثير ممن فشلوا في حياتهم فرص التعليم التي تناسبهم لما ‏فشلوا أصلا، ولما دفعوا الثمن تلو الثمن لقاء تجاربهم الفاشلة.‏

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)