TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
الفاقد التعليمي للمدارس
18/07/2021 - 10:30am

الدكتور محمد العلاونه

الفاقد التعليمي هو فقدان فرص التعلم او فقدان ما تم تعلمه او عدم تحقيق الاهداف التعليمية المرجوة بعد كل مرحلة دراسية. هذا المصطلح لم يظهر خلال أزمة كورونا, بل هو مصطلح استخدم سابقاً للدلالة على الفاقد التعليمي للطلبة المتسربين من المدارس والمتغيبين واللذين لا ينتظموا بالعملية التربوية وكذلك للذين يعانون من مشاكل قد تكون أعاقت تحصيلهم مقارنة بزملائهم. و هذا المصطلح أيضاً يذكرنا بمصطلحات أخرى مرادفة و التي يتم تداولها في مجالات اقتصادية مختلفة مثل الفاقد الكهربائي والفاقد المائي والذي يمكن قياس مقدار الفاقد في كل منهما بطريقة علمية بسيطة من خلال التوليد والاستهلاك وبيان قيمة الفاقد.
من هنا يتبادر الى الذهن ما الذي تم قياسه في المباحث الأربعة (الرياضيات والعلوم واللغة العربية واللغة الانجليزية) التي سيتم تعويضها للطلبة في منتصف شهر آب؟ وكيف تم ذلك؟ هل تم الاعتماد على نتائج الطلبة التحصيلية المبهرة في ظل التعليم عن بعد؟ أم من خلال امتحانات عامة أجريت لعينات من الطلبة اظهرت نتائجها ضعف في التحصيل في هذه المباحث ومن تم وضعت خطط علاجية محكمة تتولى تعويض ما فات الطلبة من معارف خلال فترة التعليم عن بعد الذي ادعينا انها فعالة كما التعليم الوجاهي.
وبالرغم مما تنادي به كل النظريات التربوية بالتركيز على جوانب المتعلم من نفسية واجتماعية ومعرفية وجسدية وصقل شخصيته وإعداده للمجتمع والحياة والإنتاج في سوق العمل, فإن نظامنا التربوي لا يزال يركز على الجوانب المعرفية وهي بالطبع مهمة ولكن الجوانب الأخرى أيضاً مهمة بنفس المقدار. ولعل هذا ما يفسر تهالك الطلبة وأسرهم على التعليم الاكاديمي دون التعليم المهني والتقني الذي لا نرى مستقبلا لأبناءنا ولبلدنا بدونه. إن استمرار التركيز على هذه المباحث المعرفية بشكل أكبر من المباحث الأخرى يعني الاستمرار بالنهج الذي نسير عليه منذ عشرات السنين وينتج نفس المستوى من الطلبة على المستويين المدرسي والجامعي.
إن إعادة الطلبة الى المدارس من أجل تعويضهم في المباحث الاساسية الاربعة المعلن عنها هو نوع من الدعاية والاستعراض الذي يمارس من قبل وزارة التربية والتي لن تكون لها نتائج قابلة للقياس وليس من المتوقع أن تضيف شيئا او تعوض شيئا وستكون سبباً في إجهاد الطلبة وتحميل معلمينا والإدارة المدرسية جهوداً مضاعفة قبل بدء العام الدراسي.
فبعد غياب ما يقارب السنتين عن المدرسة فإنني اعتقد بأن الأولى التركيز على الفاقد الاجتماعي والعاطفي والنفسي للطلبة واستغلال الاسابيع القادمة في إعداد المعلمين وتأهيلهم حول كيفية التعامل مع الطلبة بعد الانقطاع الطويل عن التعليم الوجاهي . وكذلك يجب استغلال هذه الفترة من أجل تهيئة الطلبة حول طرق التعامل مع المدرسة والقوانين والانظمة بطريقة ودية, وان تبدأ العملية التعليمية بثوب جديد مبني على علاقات الاحترام المتبادل والمحبة ومعرفة كل من المعلم والمتعلم لمسؤولياتهم وواجباتهم بالشكل الصحيح.
وكما تفعل بقية دول العالم المتحضر, لماذا لا تكون بداية العام الدراسي مليئة بالنشاطات وان يكون الاسبوعين الاولين من العام الدراسي من أجل إعادة تكيف وتأقلم الطلبة مع المدرسة من جديد؟ لماذا لا تكون هناك خطة لتعويض الفاقد في مجال النشاطات والتفكير والابداع والفن والثقافة والاخلاق والقيم والعادات والتقاليد التي نحن بأمس الحاجة لها. في ظل الجائحة وأثناء التعليم الالكتروني , شكى الكثير من الاهل من عدم فعالية العملية التعليمية ولكنهم استساغوا الامتحان عن بعد, ولم تعد عملية الغش مستنكرة بل اندمج الطلبة بها وشجعها الأهل بحجة أن الآخرين يقومون بذلك. لقد بينت تجربتنا في ظل جائحة كورونا, أن المنظومة الاخلاقية للمجتمع أصبحت موضع شك وتساؤل في جميع المجالات, وانعكس ذلك على نظامنا المجتمعي الذي يستغيث ليل نهار للتخلص من الأخطاء المتكررة التي يقترفها النظام التربوي بحق طلبتنا وبحق المجتمع ككل.
إن بدء العام الدراسي بشكل مبكر وبعد انقطاع الطلبة عن المدرسة سيكون ذو جدوى على الطلبة والاهل والمجتمع إذا احسن تنفيذه. إذ لا بد من خطة شاملة معرفية ونفسية واجتماعية تتضمن كل ما من شأنه إعادة تأهيل كل من المعلم والمتعلم وتهيئة البيئة الانسانية والمادية ليشعر الجميع بتغير دور المدرسة, من حشو للمعارف من اجل امتحانات محبطة إلى بناء لشخصية المتعلم في جميع المجالات التي تمكنه من التغلب على مشكلات الحياة ودخول سوق العمل.
قد تكون بعض دول العالم طبقت مصطلح الفاقد التعليمي ولكنها بالتأكيد قامت بتنفيذه بشكل مختلف وأكثر فعالية ويصاحب ذلك عمليات ارشادية وتوجيهية ونشاطات اجتماعية تكسر جمود المواد العلمية و تعزز من عودة الطلبة الميمونة للمدارس.
التعويض بشكله الحالي سيكون بمثابة صدمة كهربائية تصعق ابناءنا بعد غياب طويل عن المدرسة, والأجدى أن يتم التعويض بشكل تدريجي موزع على الفصلين الدراسيين بطريقة نموذجية معدة إعداداً جيداً ولنستقبل أبناءنا في بداية العام الدراسي بالود والترحاب وليس بالتهديد والوعيد لمعاقبتهم لذنب لم يقترفوه. وعلى المدرسة ممارسة كل ما من شأنه أن يُرغبهم بها ويجعلهم يقبلون عليها بشغف من دون إكراه من أي طرف.
الدكتور محمد العلاونة

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)