
ا د هاني الضمور
أعاد معالي الأستاذ الدكتور وليد المعاني، وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق، نشر تدوينة كتبها عام 2014، على صفحة الفيسبوك ، عرض فيها ممارسة تستحق التأمل في منظومة الاعتماد الأمريكية: عندما تخضع جهة اعتماد للمراجعة، يُعلن الأمر مسبقًا، ويُفتح الباب أمام أطراف مستقلة لتقديم ملاحظاتها، سلبًا أو إيجابًا، وفق ضوابط ومواعيد معلنة.
وختم المعاني تدوينته آنذاك بعبارة لافتة:
«كنت أتمنى لو أن هذا يحصل في بلدي، حماه الله».
بعد اثني عشر عامًا، ليست القضية أن نقارن أنفسنا بما سماه المعاني «العالم الأول»، ولا أن نستنسخ نموذجًا أجنبيًا. السؤال الأهم هو: هل تطورت فلسفة الاعتماد لدينا بما يكفي كي لا تكتفي بما تقوله المؤسسة عن نفسها، بل تستمع أيضًا، بصورة منظمة وعادلة، إلى ما يقوله الآخرون عنها؟
فالاعتماد قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى علاقة شبه مغلقة: مؤسسة تعد ملفها وتقدم شواهدها، وجهة اعتماد تفحص الوثائق وتزور المؤسسة ثم تصدر قرارها.
لكن الحقيقة ليست كلها في ملف الجودة.
يمكن للمؤسسة أن تعد تقرير تقييم ذاتي ممتازًا، وتستكمل المؤشرات والنماذج، وترتب الشواهد، وتستعد جيدًا للزيارة. وكل ذلك مطلوب، لكن السؤال يبقى: هل جودة ملف الجودة تعني بالضرورة جودة التعليم؟
الطالب يعرف جزءًا من الحقيقة. والخريج يعرف جزءًا آخر. وعضو هيئة التدريس قد يعرف ما لا يظهر في التقارير. وصاحب العمل يرى مستوى الخريجين في الميدان. والنقابات والهيئات المهنية تلمس المخرجات، وقد يمتلك خبير مستقل معلومة موثقة تستحق أن تصل إلى لجنة الاعتماد.
هذا لا يعني فتح الأبواب للشكاوى الكيدية، ولا تحويل الاعتماد إلى محاكمة شعبية. بل العكس تمامًا.
الممارسة التي أشار إليها المعاني تقوم على مبدأ أكثر نضجًا: تُستقبل الملاحظات وفق معايير محددة، وتُعرف هوية مقدمها وصفته، وتُفحص صلتها بموضوع الاعتماد، وتُمنح المؤسسة حق الاطلاع والرد، ثم يقرر المختصون قيمة المعلومة وأثرها.
إنها معادلة عادلة: حق الطرف المستقل في أن يُسمَع، وحق المؤسسة في أن ترد، وواجب جهة الاعتماد أن تتحقق قبل أن تحكم.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي للشفافية.
فالشفافية ليست مجرد نشر خبر بأن برنامجًا أو مؤسسة حصل على الاعتماد. تلك نتيجة. أما الشفافية الأعمق فهي أن يعرف المجتمع، ضمن حدود القانون والخصوصية، لماذا استحق الاعتماد، وكيف وصل صاحب القرار إلى قناعته.
ومن هنا يأتي السؤال الأردني:
ما الذي يمنع أن تُعلن مراجعات الاعتماد المهمة مسبقًا؟ وأن توجد نافذة مؤسسية واضحة لتلقي الملاحظات الموثقة من الطلبة والخريجين والأكاديميين وأصحاب العمل والهيئات المهنية؟ وأن يُضمن حق المؤسسة في الرد؟ وأن تكون قواعد تضارب المصالح واضحة ومعلنة؟ وأن يعرف الجمهور من أسباب القرار أكثر من عبارة «استوفى المتطلبات»؟
الأمر لا يحتاج بالضرورة إلى لجان جديدة ولا إلى مزيد من النماذج. ربما يحتاج، قبل ذلك، إلى تحول في فلسفة الجودة نفسها: من إدارة ملف الاعتماد إلى البحث عن حقيقة المؤسسة.
وهنا تحديدًا تكتسب إعادة نشر الدكتور وليد المعاني لتدوينته اليوم أهميتها. فالسؤال لا يأتي من مراقب بعيد عن التعليم العالي، بل من أكاديمي ووزير سابق عرف الجامعة والإدارة وصناعة القرار من الداخل.
ولا ينبغي أن ننسب إلى المعاني من إعادة النشر ما لم يقله. لكن يحق لنا أن نأخذ أمنيته القديمة ـ الجديدة إلى نهايتها المنطقية، وأن نسأل:
ماذا تغير منذ 2014؟
إذا تحققت تلك الأمنية، كليًا أو جزئيًا، فمن المهم أن نعرف كيف. وإذا ظل جوهرها قائمًا، فالسؤال الأصعب هو: لماذا بقيت أمنية اثني عشر عامًا؟
التعليم العالي لا يبني الثقة بأن يقول للناس: «ثقوا بنا لأننا الجهة المختصة»، بل بأن يقول: «هذه معاييرنا، وهذه إجراءاتنا، وهذه أدلتنا، وهذه كيفية وصولنا إلى القرار؛ ولذلك استحق قرارنا ثقتكم».
فالجامعة القوية لا تخشى النقد، وهيئة الاعتماد القوية لا تخشى المعلومة المستقلة.
والجودة الحقيقية تبدأ حين ندرك أن الحقيقة ليست كلها في ملف الجودة.


اضف تعليقك