TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
الحرب الروسية الأوكرانية: دروس واضحة!
24/11/2022 - 12:15pm

د. أحمد بطَّاح
برُغم أنّ من الصعوبة بمكان التنبؤ بمآلات الحرب الروسية الأوكرانية إلّا أن هنالك دروساً واضحة يمكن التوقف عندها، ولعلّ أهم هذه الدروس:
أولاً: وحدة الموقف الغربي من الحرب والمقصود هُنا توافق الموقف الأوروبي (27 دولة في الإتحاد الأوروبي) مع الموقف الأمريكي وإلى درجة التماهي، والدليل على ذلك تدفق المساعدات الأمريكية الأوروبية على أوكرانيا وبكافة أشكالها: العسكرية، والاقتصادية، والإنسانية، والدليل عليه أيضاً تحمُل أوروبا لكل إشكاليات انقطاع الطاقة الروسية (معظم النفط والغاز) برغم ما قد يتسبب فيه ذلك من ارتفاع أسعار، ومواجهة شتاء قادم قد يكون قاسياً.
ثانياً: عدم تبلور قطب آخر (مواجه للقطب الأمريكي الأوروبي) وراء روسيا. صحيح أن هناك دولاً تقف مع روسيا في هذه الحرب ولكن ليس بشكل كامل كالصين التي وقفت مع روسيا ولكن بحدود فهي لم تُدِن ما تسميه روسيا "العملية العسكرية الخاصة" ولكنها لم تؤيد روسيا في ضمها للمقاطعات الأوكرانية الأربع (لوهانسك، دونيتسك، زاباروجيا وخيرسون)، والواقع أنّ الصين بدت مهتمة بمصالحها التجارية الهائلة مع الغرب (وبالذات مع الولايات المتحدة) أكثر من اهتمامها "بتوليد" قطب جديد مكافئ للقطب الأمريكي الأوروبي، ولعلنا يجب أن نتذكر دائماً أن الصين هي الدولة الوحيدة في العالم القادرة على تشكيل قُطب أو قيادة قُطب مكافئ وذلك بحكم أنها ثاني اقتصاد في العالم ولها من مقومات القوة الكبرى (العسكرية، والبشرية وغيرها) ما يمكِّنها من لعب هذا الدور الذي تنتظره بتمهل ولكن بثبات وجهد تراكمي. صحيح أنّ روسيا دولة مكافئة عسكرياً تقريباً للوليات المتحدة (لدى كل منهما 6000 رأس نووي استراتيجي) ولكنها ذات الرقم (11) بين الاقتصادات العالمية، ولذا فهي غير قادرة وحدها على تشكيل قطب مكافئ للقطب الأمريكي الأوروبي (باستثناء التوازن النووي) ولكنها قد تستطيع خلق تحالف يتمخض عنه مثل هذا القطب وهو ما تحاوله الآن بغير نجاح واضح.
ثالثاً: محدودية القوة العسكرية مهما بلغت، فالجيش الروسي وفق التصنيفات العسكرية العالمية هو ثاني جيش في العالم (بعد جيش الولايات المتحدة)، ولكنه لم يستطع كسب الحرب بعد تسعة أشهر من القتال المرير، لا بل واجه نكسات كبيرة ومُهينة كانسحابه من محيط "كييف" بعد بدء الحرب مباشرة، وانسحابه من "خاركيف" وانسحابه الأخير من "خيرسون". إن هذه الانسحابات قد تكون تكتيكية ولكنها مؤشر واضح على محدودية القوة أيضاً، ولعلّ هذا يذكّر بتراجع القوة الأمريكية أمام فيتنام وثوار "الفيتكونج" برغم استخدام الولايات المتحدة لكل ما انطوت عليه ترسانتها العسكرية من أسلحة فتاكة، وقد يعلّل البعض التراجع في كلا الحالتين بالدعم القادم من الخارج (من الدول الغربية في حالة الحرب الروسية الأوكرانية، والدعم السوفياتي الصيني في حالة الحرب الفيتنامية)، وهذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أن كُلَّ قوة لها محدوديتها مهما بلغت وذلك إذا واجهت خصماً مستعداً للصمود والتضحية.
رابعاً: لقد ثبت بشكل جلّي أن أوكرانيا ليست دولة "مُزيفة" كما قيل في التمهيد الروسي للحرب، بل هي دولة توّاقة للاستقلال وأخذ مصيرها بيدها مهما كانت التبعات. صحيح أن هناك جاليات روسية كبيرة مناصرة لروسيا وتريد إبقاء العلاقات التاريخية معها (كانت أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفيتي حتى عام 1991 وهي من ذات العرق "السلافي" الذي يرجع إليه الشعب الروسي) كما هو الحال بالنسبة للروس في جمهوريتي لوهانسك، ودونيتسك، وشبه جزيرة القرم، ولكن إذا وضعنا هذا جانباً ( وهو ما يحتاج إلى مقاربة سياسية عقلانية وعادلة في الواقع) فإنّ من الواضح أن الشعب الأوكراني له هويته الخاصة به ويجب أن تُحترم خياراته ما دام أنها لا تمس بأمن روسيا القومي ووضعيتها الخاصة كدولة نووية عظمى ذات مجال حيوي يجب أن يُحترم ويؤخذ بالاعتبار الأمر الذي يعني اجرائياً عدم انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.
هل هناك دروس أخرى يمكن استقراؤها والتأمل فيها؟ بالطبع هناك دروس كثيرة ولكنها قد لا ترقى من حيث الأهمية إلى الدروس التي أشرنا إليها والتي يجب أن تستوقف كل محلل ومتابع.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)