TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
الجامعات والتصنيفات العالمية: بين لهاث السمعة وضياع الرسالة
09/07/2025 - 7:45pm

طلبة نيوز -د. زياد أبو الرُّب - الجامعة الألمانية الأردنية
في العقود الأخيرة، تحوّلت التصنيفات العالمية للجامعات من أدوات تقييم إلى بوصلات توجه سياسات مؤسسات التعليم العالي في الشرق والغرب. ومع تنامي الهوس بالترتيب، باتت الجامعات تركض، بل تلهث، خلف مؤشرات التصنيف، أملًا في تحقيق قفزات تعزز مكانتها وسمعتها. لكن هذا السباق المحموم يطرح تساؤلات جادة: ما الذي نربحه فعلًا من هذا اللهاث؟ وما الذي نخسره؟
تعتمد التصنيفات العالمية الكبرى، مثل QS وTimes وShanghai ، على مؤشرات تتنوع بين عدد الأبحاث المنشورة، ونسبة الأساتذة إلى الطلبة، وعدد الطلبة الدوليين، والسمعة الأكاديمية والبحثية. ورغم أهمية هذه المعايير في قياس بعض جوانب الأداء الجامعي، إلا أن الإفراط في ملاحقتها قد يقود إلى تشوهات مؤسسية. فبدلًا من أن تكون التصنيفات أداة للتحسين، تتحوّل إلى غاية بحد ذاتها، يتم على أساسها رسم السياسات وتوزيع الموارد وحتى تقييم الأفراد.
تشير دراسات دولية إلى أن الاعتماد المفرط على التصنيفات يرفع من مخاطر النزاهة الأكاديمية. وقد اقترحت بعض الهيئات البحثية مؤشرات مثل "مؤشر مخاطر النزاهة البحثية" (Research Integrity Risk Index) لتقييم الجامعات من حيث جودة الممارسات البحثية لا كميتها فحسب. وفي ظل تصاعد ضغوط النشر والترقية، يصبح البعض أكثر ميلًا لنشر أبحاث متكررة أو في مجلات ضعيفة، فقط لتحقيق أرقام ترفع من التصنيف، لا من قيمة المعرفة.
في السياق المحلي، يُلاحظ أن جامعاتنا ذات أولوية تعليمية، وليس بحثية. عدد أعضاء الهيئة التدريسية، ونسبة الطلبة إلى أعضاء الهيئة، وضآلة التمويل البحثي، كلها عوامل تضع حدودًا موضوعية لقدرة الجامعات على المنافسة في تصنيفات تفضّل الطابع البحثي. ومع ذلك، تنخرط بعض المؤسسات في سباق التصنيف، أحيانًا على حساب مهمات أكثر إلحاحًا، مثل جودة التدريس، وتطوير البرامج، وخدمة المجتمع، والمواءمة مع سوق العمل.
إن أولوية التعليم الجامعي، خاصة في دول كالأردن، ينبغي أن تنبع من احتياجات المجتمع لا من إملاءات التصنيفات. فالأجدى أن نسأل: هل طوّرنا بيئة تعليمية تفاعلية؟ هل خرجنا طلبة يمتلكون المهارات لا فقط المعلومات؟ هل أسهمنا في معالجة مشكلات مجتمعنا؟ هل ساعدنا في تقليص الفجوة بين الخريجين وسوق العمل؟ تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تقود بوصلتنا في المقام الأول، لا مجرد ترتيب رقمي في قائمة دولية.
لا يعني هذا رفض التصنيفات بالمطلق، بل الدعوة إلى مقاربتها بمسؤولية ووعي. يمكن للتصنيفات أن تكون حافزًا للتطوير، إذا تم التعامل معها كوسيلة لا غاية. كما يمكن الاستفادة من تحليل المؤشرات لمعرفة نقاط القوة والضعف. لكن الخطر يكمن في اختزال جودة الجامعة إلى ترتيب، وتحويل العملية التعليمية إلى معركة علاقات عامة.
في عصر الذكاء الاصطناعي والتحولات العميقة في سوق العمل، بات من الضروري أن تعيد الجامعات تعريف رسالتها وأولوياتها. المطلوب اليوم هو جامعة ذكية، مرنة، متصلة بمجتمعها، ومتمحورة حول الطالب. أما الانشغال بالمظاهر والتصنيفات دون جوهر، فقد يمنح وهجًا مؤقتًا، لكنه لا يبني أثرًا مستدامًا.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)