TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
التوجيهي في الأردن: إصلاح المنظومة لا تغيير الامتحان
23/08/2026 - 2:00pm

طلبة نيوز - قضية التوجيهي في الأردن تحتاج إلى نقاش يتجاوز سؤال الإبقاء على الامتحان أو إلغائه، لأن المشكلة أوسع من الامتحان نفسه، وترتبط بالمرحلة الثانوية، والمسارات، وطريقة التقييم، والقبول الجامعي، واحتياجات سوق العمل.
فالمرحلة الثانوية يفترض أن تبني شخصية الطالب وتنمي مهاراته وتعده للجامعة والحياة، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى سباق للحصول على أعلى علامة. وأصبح الطالب منشغلًا بالحفظ والتدرب على نمط الأسئلة، والمعلم تحت ضغط إنهاء المنهاج والاستعداد للامتحان، والأسرة تبحث عن وسائل ترفع العلامة. وهكذا أصبحت العلامة أحيانًا أهم من التعلم نفسه.

المشكلة ليست في وجود امتحان وطني موحد، فهو ضروري لضمان معيار عادل، وإنما في أن تتحول علامته إلى العامل الأهم في تحديد مستقبل الطالب. لذلك لا أرى أن إلغاء التوجيهي بالكامل هو الحل، بل إعادة تعريف دوره ضمن منظومة تقييم أكثر توازنًا، تقيس الفهم والتطبيق والتحليل وحل المشكلات، إلى جانب أدوات أخرى مثل المشروعات وملف الإنجاز، وفق معايير واضحة وعادلة.

أما المسارات الحالية في التوجيهي، فهي خطوة جيدة من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى مراجعة في ضوء نتائج تطبيقها. فقد أدى الإقبال الكبير على المسار الصحي إلى ضغط وإرباك في خيارات الطلبة والقبول الجامعي. وهذا لا يعني أن اختيار الطلبة خاطئ، بل يستدعي دراسة أسباب هذا التوجه ومدى جاذبية المسارات الأخرى وصلتها بالجامعة وسوق العمل. والحل هو إرشاد مهني حقيقي، ومعلومات واضحة عن فرص التخصصات، ومسارات أكاديمية ومهنية وتقنية وتكنولوجية أكثر توازنًا.

وفي القبول الجامعي، من المهم دراسة خيارات تقلل من أثر العلامة النهائية، ومن أبرزها السنة التحضيرية. ويمكن أن تكون سنة تأسيسية يدرس فيها الطالب العلوم والمهارات الأساسية، ويخضع لتقييم مستمر، ثم ينتقل إلى التخصص بناءً على أدائه فيها إلى جانب شروط القبول.

وتستخدم دول عدة أساليب مشابهة؛ ففي بريطانيا توجد مسارات تأسيسية تسبق دراسة الطب، بينما يمر الطالب في الولايات المتحدة الأمريكية بمرحلة جامعية سابقة للطب قبل التقدم إلى دراسة الطب، وفي أستراليا توجد أيضًا مسارات تأسيسية لبعض برامج العلوم الطبية والطب. ويمكن للأردن الاستفادة من هذه التجارب دون نسخها، وتصميم سنة تحضيرية تناسب احتياجاته.

وفي الطب تحديدًا، يمكن دراسة سنة تأسيسية أو مرحلة ما قبل الطب تركز على العلوم الأساسية ومهارات التفكير والبحث والتواصل وأخلاقيات المهنة، ثم يكون الانتقال إلى الطب وفق أداء الطالب واستعداده الحقيقي. وهذا يمنح الطالب والجامعة فرصة أفضل للتأكد من ملاءمة التخصص، ويخفف جزءًا من الضغط عن التوجيهي، بشرط وجود معايير قبول وتقييم واضحة وطاقة استيعابية محددة.

لكن إصلاح التوجيهي لا ينجح من دون إصلاح التعليم نفسه؛ فالمناهج تحتاج إلى مزيد من التركيز، وطرق التدريس إلى الانتقال من التلقين إلى الفهم والتطبيق، والمعلم إلى تدريب ودعم مستمرين. كما يجب أن يرتبط تخطيط المسارات والقبول الجامعي باحتياجات سوق العمل والطاقة الاستيعابية للجامعات، وأن يستند إلى البيانات لا إلى الانطباعات.

والأهم أن يتم الإصلاح تدريجيًا ضمن خطة وطنية مستقرة، وبمشاركة المعلمين والطلبة والأسر والجامعات وخبراء التعليم وسوق العمل، بحيث يصبح التوجيهي جزءًا من منظومة تضع التعلم وقدرات الطالب ومستقبله في مركز الاهتمام، لا امتحانًا يختزل سنوات الدراسة في علامة واحدة

د.سناء عبابنة

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)