
طلبة نيوز - د. زياد أبو الرُّب – الجامعة الألمانية الأردنية
في عالم يتغير بسرعة، تزداد الحاجة إلى التعليم المتقدم، لكن هذه الحاجة لا تتحقق دائمًا بالشكل الذي يضمن التوازن بين الطموح الفردي والقدرة المؤسسية على توفير فرص حقيقية. في الأردن، كما في كثير من الدول، لم يعد السؤال يقتصر على: هل ندرس؟ بل أصبح: إلى أي مدى نواصل الدراسة؟ فقد تحوّلت الشهادات العليا إلى خيار واسع الانتشار، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن ظاهرة جديدة تتطلب وقفة وتأمل: التضخم الأكاديمي.
الأرقام وحدها تكفي لتوضيح المشهد. فبحسب دائرة الإحصاءات العامة بلغ معدل البطالة السنوي في الأردن لعام 2024 نحو 21.4%، مع فجوة واضحة بين الجنسين: 18.2% بين الذكور و32.9% بين الإناث. أما بين الجامعيين، فتزداد النسبة لتكشف أن الشهادة لم تعد كافية لعبور بوابة العمل. وفي موازاة ذلك، تشير بيانات وزارة التعليم العالي إلى أن نحو 455 ألف خريج ينتظرون دورهم في طابور طويل من الباحثين عن وظيفة، بينما أُوقِف القبول في 42 تخصصًا مشبعًا لا يحتاجه السوق. هذه الأرقام لا تدين التعليم العالي بقدر ما تكشف عن اقتصاد محدود القدرة على استيعاب الطاقات المؤهلة، وعن فجوة متزايدة بين إنتاج الجامعات وحاجات المجتمع.
ظاهرة التضخم الأكاديمي ليست أردنية فقط، بل هي جزء من مشهد عالمي أوسع. ففي الولايات المتحدة تضاعف عدد الحاصلين على الماجستير والدكتوراه منذ عام 2000 ليصل إلى 13% من السكان البالغين، ومع ذلك لم ينمُ سوق العمل بنفس الوتيرة. أما في كوريا الجنوبية، فقد أظهرت الدراسات أن أكثر من 78% من حملة الشهادات العليا يعملون في وظائف دون مستوى تأهيلهم. تتشابه النتائج في سياقات مختلفة: الشهادة لم تعد ضمانة للتميز ما لم تقترن بمهارات جديدة وقدرة على الابتكار.
غير أن ما يزيد من تعقيد الوضع في الأردن هو اعتماد الاقتصاد على قطاعات تقليدية لا تولّد وظائف عالية القيمة. الجامعات بدورها ليست معزولة عن هذا الواقع؛ فحتى مع إدخال بعض البرامج التطبيقية والمساقات التي تركز على المهارات الرقمية وريادة الأعمال، يبقى أثر هذه المبادرات محدودًا إذا لم يجد الخريج بيئة تستثمر كفاءاته. في المقابل، تظهر في دول مثل ألمانيا وفنلندا نماذج ناجحة لربط برامج الدراسات العليا بالصناعة، بحيث يصبح البحث العلمي جزءًا من حلّ اقتصادي وليس مجرد إنتاج معرفي معزول. هذا الربط جعل الشهادة العليا في تلك الدول ليست وسيلة للتراكم، بل أداة لتوليد قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة.
التقارير الدولية، ومنها تقرير اليونسكو للعلوم نحو 2030، تشير إلى أن مستقبل التنمية يعتمد على الانتقال إلى اقتصاد معرفي قائم على البحث والابتكار والتكنولوجيا. أما تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لعام 2025 فيؤكد أن الاقتصادات التي لا تعبّر استراتيجياتها التعليمية عن حاجات سوقها ستجد نفسها أمام بطالة مرتفعة حتى بين الأكثر تعليمًا. من هنا، يصبح التضخم الأكاديمي مؤشرًا على غياب الرؤية الشاملة، وليس على ضعف التعليم في ذاته.
ليس من العدل اختزال الشهادة العليا في كونها عبئًا، فهي تبقى مصدر معرفة وتمكين شخصي، لكنها تفقد قيمتها حين تنفصل عن الواقع. المطلوب اليوم ليس تقليص برامج الدراسات العليا، بل إعادة تعريفها. قبول يستند إلى جدوى واضحة، أبحاث ترتبط بحاجات المجتمع، ومسارات مرنة تجمع بين التعلم الأكاديمي والتطبيق العملي. هنا يبرز دور الشهادات المصغرة (Microcredentials) والتعليم مدى الحياة كأدوات تكميلية تمنح الأفراد قدرة على مواكبة التحولات دون الحاجة إلى سنوات طويلة من الدراسة التقليدية.
الحلول لا تقتصر على الجامعات، بل تتطلب اقتصادًا أكثر ديناميكية، وسياسات تشغيل جريئة، وحوافز للقطاع الخاص للاستثمار في الكفاءات المحلية. لا يمكن معالجة الظاهرة من زاوية واحدة؛ فالمطلوب شراكة بين التعليم والاقتصاد والسياسات العامة، وإرادة واضحة لإعادة صياغة العلاقة بين المؤهل الأكاديمي والفرصة المهنية. وعندما تلتقي هذه العناصر، تتحول الشهادة العليا إلى رافعة حقيقية للتنمية، لا مجرد لقب على الورق.
في النهاية، ليست كثرة الشهادات هي المشكلة، بل غياب الرؤية لما بعدها. الشهادة العليا يمكن أن تكون جسرًا نحو المستقبل أو ورقة معلقة على الجدار. الفرق تحدده السياسات، ديناميكية الاقتصاد، ووعي الفرد بدوره في صناعة فرصته. وحين نحسن بناء هذا الجسر، يتحول التضخم الأكاديمي من تحدٍّ مقلق إلى فرصة للنهوض.


اضف تعليقك