
الإدارة الجامعية و تحديات المستقبل
طلبة نيوز
د.أحمد بطّاح
هناك تعريفات كثير للإدارة كما هو معروف, ولعل اكثر التعريفات إقناعآ لي كمختص بهذا الفرع من المعرفة هو ان الإدارة " عملية منظمة تنطوي على التنسيق ما بين الموارد البشرية والموارد المادية لتحقيق الأهداف الموضوعة بأقل قدر من الكلفة " وإذا كانت الإدارة هي كما ورد آنفاً في اي مجال من مجالات الحياة فإن الإدارة في مجال التعليم الجامعي هي تلك الإدارة الهادفة إلى تحقيق اهداف التعليم والتي يمكن ان تُختصر في ثلاثة هي .. التدريس, البحث العلمي, وخدمة المجتمع وبحيث يكون تحقيق هذه الأهداف بأقل كلفة مادية و بشرية.
إن مما لا شك فيه ان الإدارة الجامعية لم تعد سهلة في عالم اليوم, حيث اصبحت متطلبات الجودة (Quality) والتنافسية (Competitive Advantage) و العولمة (Globalization) تفرض نفسها, وبعد ان كانت الجامعات تحاول تخريج الطلبة المؤهلين لمتطلبات التنمية داخل البلد الواحد, أصبحت هذه الجامعات ترمي إلى تخريج طلبة مؤهلين لدخول سوق العمل على مستوى العالم الذي لم يعد عالماً بل اصبح قرية عالمية (Global Village) وبخاصة في ظل التسابق على تحصيل مراتب متقدمة فيما يُسمى إصطلاحاً تصنيف الجامعات (University Ranking).
والواقع ان الإدارة الجامعية لم تعد تواجه التحديات المُشار إليها سابقاً فقط بل أصبح مطلوباً منها أن تتعامل مع طالب مختلف عن الطالب في الأوقات الماضية, فقد كان الطالب في تلك الأوقات يتميز بالطاعة والإلتزام وإحترام سلطة العلم المتمثلة في المعلم اساساً ، أما الآن فقد اصبح الطالب الحاضر أكثر ثوريةً و تمرداً و عنفاً .
وبعد أن كانت العملية التعليمية في الجامعة التي تشرف عليها الإدارة بسيطة و تقتصر على مقومات محدودة تتعلق أساساً بأستاذ جامعي مؤهل ومكتبة مزودة بالمراجع الضرورية, وبعض التجهيزات و الأجهزة والوسائل , اصبحت هذه العملية اكثر تعقيداً وتنطوي على إستخدام مكثف للتكنلوجيا العالية (Hi -tech)والتي أصبحت جزءاً اساسياً من العملية التعليمية في الجامعة الى الدرجة التي قال معها البعض بأننا انتقلنا من الجامعة المبنية بالطوب او الإسمنت (Brick University) إلى الجامعة القائمة على فأرة الحاسوب (University Click) وفيما يتعلق بالقيادات الأكاديمية في الجامعة فقد اصبحت الإدارة الجامعية مسؤولة أكثر ليس فقط عن تنمية قيادات بديلة تأخذ مكان القيادة الأصلية عند الضرورة, بل عن تنمية القيادات الأكاديمية النسوية, وذلك في إطار الشعار العالمي القائل بتمكين المرأة (women empowerment) تكريساً لمبدأ المساواة بين الجنسين و محاولة للإفادة من طاقة المرأة التي تشكل في معظم الحالات نصف المجتمع , وفي معظم الحالات ثلث الكوادر الأكاديمية في الجامعات. وبعيداً عن داخل الحرم الجامعي وتفاعلاته فقد اصبح لزاماً على الإدارات الجامعية أن تفي بمسؤوليات المؤسسة الجامعية إزاء مجتمعها المحيط، بل ومجتمعها الكبير في إطار ما يُسمى المسؤولية المجتمعية (Social Responsibility) والتي لا تعني فقط تقديم جملة من الخدمات الجامعية للمجتمع المحلي كإلقاء بعض المحاضرات، وتقديم بعض الخدمات الطبية والارشادية مثلاً بل تتعدى ذلك إلى المشاركة مع المجتمع المحلي لتحقيق ما يسمى بالتنمية المستدامة ( (Sustainable Development
وذلك عبر آليات وإستراتجيات و طرائق لا مجال لذكرها هنا. وإذا كان على إدارة الجامعة في الوقت الحالي أن تواجه كل هذه التحديات الآنفة فما المطلوب منها لكي تكون مؤهلة و في مستوى التحديات؟ إنّ المطلوب كثير، و لعلّ اقلّه ما يلي:
أولاً : أن تكون الإدارة الجامعية ذات أفق عالمي، ينطلق من المحلية و الواقع، و لكن يتجاوزهما إلى العالمية ، فخدمات التعليم العالي أصبحت عالمية في ظل العولمة كما أشرنا، ولم يعد مقبولاً ان تتقوقع الإدارة الجامعية و تتخيل ان تعمل لإدارة جامعة معينة في منطقة معينة في بلد معين مع ان ذلك حقيقة، بل ان يكون لديها رؤية تتجاوز بها الواقع المحلي إلى الأفق الإقليمي بل و العالمي إنْ آمكنْ.
إنّ ذلك لا يعني بالطبع التنكر للواقع وإحتياجاته و متطلباته فذلك أمر مفروغ منه، بل يعني بالتحديد البناء على الواقع والإنطلاق منه إلى العالمية.
ثانياً : الإلمام بسيكولجية الشباب وطبيعة مرحلتهم العمرية وأساليب التعامل مع متطلباتهم، إنّ ذلك يقتضي بالضرورة أن تستعين الإدارة الجامعية بكوادر مؤهلة و مدربة تسطتيع التفاعل مع الشباب الجامعي، و وضع البرامج والأنشطة المنهجية واللامنهجية المناسبة لهم، بحيث تستوعب طاقاتهم، و توجّهاتهم الوجهة الصحيحة وفي هذا الإطار لا بّد من إستذكار دور عمادات شؤون الطلبة وذلك في مجال إستكشاف مواهب الطلبة و قدراتهم، وذلك لما لهذه المواهب و القدرات من اهمية فائقة في بناء مستقبل البلاد و الأجيال.
ثالثاً : توظيف التكنلوجيا في مختلف أوجه الحياة الجامعية إبتدءً من قبول الطبلة و تسجيلهم، و مروراً بتدريسهم و تدريبهم، وإنتهاءً " بتوطين " التكنولوجيا في المؤسسة الجامعية لتعظيم فرص الإختراع و الإبتكار من قبل الأساتذة المتخصصين، و طلبة الدراسات العليا، والموهوبين من الطلبة بشكل عام.
رابعاً : التعاون الوثيق و المنهجي مع المجتمع المحلي وصولاً إلى ما أسميناه عند الحديث عن التحديات بتحقيق التمنية المستدامة (Sustainable Development) إنّ ذلك يقتضي بالضرورة النأي عن مفهوم " خدمة المجتمع " التقليدي، والأنطلاق منه إلى الإنخراط مع فعاليات المجتمع المحلي و قياداته لوضع برنامج مدروس يقوم فيه كل طرف (الإدارة الجامعية و قيادات المجتمع المحلي) بدوره المرسوم لتحقيق تنمية مستدامة تنعكس إيجاباً على كل من الجامعة و المجتمع المحلي.
خامساً : تبني مفهوم الحوكمة (Good Governance) أيّ الإدارة الرشيدة في ممارسة العمل الإداري الجامعي، ومن المعروف أنّ الحوكمة (أو الحاكمية) تقوم على مفاهيم اهمها :
المشاركة (Participation) من قبل جميع المعنيين بالقرارات الجامعية، و الشفافية(Transparency)
, والمساءَلة (Accountability)، إنّ تبني هذه المفاهيم الهامة في الإدارة الجامعية يعني ببساطة رضا العاملين و مضاعفة دافعيتهم للعمل و الإنجاز، و يعني الوضوح و حرية الوصول إلى المعلومات لكل من له الحق في الإطلاع عليها، مما يضفي مصداقية على العمل المؤسسي و رغبة في التعاون معه لتحقيق الأهداف، كما انه يعني أخيراً خضوع الجميع بما فيهم الإدارة الجامعية لمبدأ ان يكونوا مساءَلين بل و ربما محاسبين من قبل الإدارة الأعلى بل و المجتمع، الأمر اللذي جعلهم يدّققون في قراراتهم، ومنهجياتهم، و أهدافهم الآتية والمستقبلية.


اضف تعليقك