
د. مروان الجراح – الجامعة الأردنية
في عصر يشهد تحولات جذرية في الاقتصاد الرقمي، والبحث العلمي، وسوق العمل العالمي، لم تعد اللغة الإنجليزية مهارة تكميلية فحسب، بل أصبحت معيارًا أساسيًا للكفاءة الأكاديمية والتميز المهني. فهي اللغة الأكثر حضورًا في الأوساط الأكاديمية، والأكثر استخدامًا في منصات الابتكار وريادة الأعمال، وجسرًا حيويًا للوصول إلى شبكات المعرفة العالمية. إدراكًا لهذه الحقيقة، أطلقت الجامعة الأردنية منذ عام مشروعًا رياديًا لإعادة هيكلة منظومة تعليم اللغة الإنجليزية وفقًا لأحدث المعايير الدولية، وفي مقدمتها الإطار الأوروبي المرجعي الموحد للغات (CEFR)، في خطوة استراتيجية تعكس التزام الجامعة بتخريج كفاءات قادرة على المنافسة عالميًا.
الإطار الأوروبي CEFR، الذي يُعد المعيار الذهبي لتعليم اللغات عالميًا، معتمد في أكثر من 40 دولة أوروبية ومؤسسات تعليمية كبرى في آسيا وأمريكا الشمالية. يقدم هذا الإطار ستة مستويات متدرجة من A1) إلى (C2 لتحديد الكفاءة اللغوية بدقة، مما يسمح بتصميم برامج تعليمية مرنة وقابلة للتكيف وفق احتياجات الطلبة. وتشير الدراسات إلى أن اتباع مسار تعليمي متوافق مع CEFR يمكن أن يحقق تقدمًا بمقدار مستوى واحد لكل 200 ساعة تعلم موجه، ما يعكس فاعليته في تطوير المهارات اللغوية بشكل متسق ومستدام.
في النموذج التقليدي السابق، كان تعليم الإنجليزية في الجامعة الأردنية قائمًا على مستويين فقط: مادة الأساسيات ومادة المهارات، مع الاعتماد على اختبار تشخيصي تقليدي لم يكن يعكس بدقة الفروق الفردية بين الطلبة. الطلبة الذين حصلوا على علامات عالية كانوا يُعفون من المستوى الأول، بينما يُلزم الباقون بدراسة كلا المادتين، دون مراعاة احتياجاتهم المتنوعة أو مستوى جاهزيتهم اللغوية. كما أن المواد التعليمية كانت محدودة من حيث المحتوى التفاعلي والتقنيات الحديثة التي أصبحت اليوم ضرورة لا غنى عنها.
أما في النموذج الجديد، فقد أعادت الجامعة صياغة التجربة التعليمية من الألف إلى الياء، لتقدم برنامجًا أكثر شمولية وابتكارًا. يعتمد البرنامج على اختبار تشخيصي تكيفي دقيق يُوزع الطلبة على تسعة مستويات لغوية مختلفة وفقًا لمعيار CEFR، ما يضمن انطلاق كل طالب من مستوى يناسب كفاءته الفعلية. ويلتزم الطلبة برفع مستواهم بما لا يقل عن مستوى واحد خلال ثلاثة فصول دراسية، وفق متطلبات الإطار الأوروبي.
ولضمان أعلى معايير الجودة، تبنت الجامعة سلسلة Empower العالمية الصادرة عن جامعة كامبردج، والتي تضم محتوى تعليميًا رقميًا وتفاعليًا، واختبارات مرحلية متوافقة مع CEFR، إضافة إلى أدوات تحليل بيانات تعلم تدعم المعلمين في توجيه العملية التعليمية بدقة أكبر. وكما قامت الجامعة – ومن باب شراء الخدمات – باستقطاب نخبة متميزة من حملة الشهادات العليا في تخصصات اللغة الإنجليزية المختلفة، مع اشتراط حصولهم على درجات مرتفعة في اختبارات IELTS أو TOEFL، لضمان تقديم تجربة تعليمية عالية الكفاءة وغنية بالخبرات العملية.
على المدى القريب، يُتوقع أن يسهم هذا البرنامج في تحسين مهارات الطلبة الأساسية في الاستماع، التحدث، القراءة، والكتابة، إلى جانب رفع مستوى ثقتهم اللغوية بما ينعكس إيجابيًا على مشاركاتهم الأكاديمية داخل القاعات الدراسية وخارجها، مع تقليل الحاجة إلى برامج تقوية إضافية بفضل التوزيع الدقيق للمستويات والمحتوى التدريسي المصمم خصيصًا لمعالجة الفروقات الفردية. أما على المدى البعيد، فإن أثره يمتد إلى تخريج طلبة يمتلكون كفاءات لغوية متعددة تؤهلهم للمنافسة في سوق العمل العالمي والانخراط في برامج الدراسات العليا المرموقة، وتعزيز التصنيف الدولي للجامعة الأردنية، لا سيما في مؤشرات السمعة الأكاديمية والتوظيفية، إضافة إلى تحقيق تحول رقمي متكامل في تعليم اللغات يستجيب لمتطلبات القرن الحادي والعشرين ويجعل الجامعة نموذجًا إقليميًا يحتذى به
إن هذه النقلة النوعية لم تكن لتتحقق لولا الرؤية الثاقبة للإدارة الجامعية، ممثلةً بمعالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة، والدعم المتواصل من الكوادر الأكاديمية والإدارية التي سخّرت خبراتها لإرساء هذا التحول. لقد رسخت الجامعة الأردنية بهذا النموذج مكانتها كمؤسسة تعليمية سبّاقة في تبني فلسفة “التمكين اللغوي العالمي”، وقدّمت إطارًا يمكن لمؤسسات التعليم العالي في المنطقة أن تحتذي به للارتقاء بتعليم اللغة الإنجليزية من مرحلة التلقين التقليدي إلى آفاق الريادة العالمية.


اضف تعليقك