TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
إصلاح شمولي لمنظومة التعليم العالي
11/05/2022 - 7:15pm

 

شكل التعليم العالي دوما الرهان الأساس لكل الدول من أجل تأهيل العنصر البشري القادر على رفع التحديات التنموية وعلى قيادة المجتمع نحو غد أفضل. ولم يكن الأردن أبدا بدعا من الأمم بل فطن قبل غيره إلى أهمية هذا المسار الأكاديمي المتميز عندما أسست القيادة الأردنية الجامعة الأردنية فكان بذلك سباقا إلى الاهتمام بالتعليم العالي بمعناه الحديث. وسارت الأجيال المتعاقبة على هذا الدرب حيث لعبت الجامعات الأردنية أدوارا رائدة في إنتاج النخب ومد المجتمع بالأطر المؤهلة التي كتبت صفحات مشرقة من تاريخ الأردن ، بل وأسهمت في تقدم الإنسانية من خلال إنتاجها العلمي والفكري.

واليوم، رغم أن شعلة العلم والمعرفة ما تزال متقدة في الجامعات الأردنية إلا أن بريقها بدأ يخفت تدريجيا منذ زمن غير يسير، كما أن دورها التنموي أصبح يشكل هاجسا حقيقيا بالنسبة للجميع خاصة مع استفحال ظاهرة البطالة في صفوف خريجي التعليم العالي، مما ينم عن عدم قدرة هذا الأخير على تقديم تكوينات تستجيب للحاجات من الموارد البشرية المؤهلة التي تتطلبها الأوراش التنموية التي يعرفها الأردن .

الأهداف الكبرى 

إن ربط التعليم العالي والبحث العلمي بالتنمية الشاملة للبلاد يقتضي العمل على تطوير منظومة التعليم العالي الحالية والارتقاء بمخرجاتها؛ وترسيخ نموذج بيداغوجي يمكن من ملاءمة التكوينات مع متطلبات الارتقاء بالمجتمع ومع الحاجيات الوطنية والجهوية ومع مهن المستقبل؛ والرفع من جودة التكوينات في مختلف الأسلاك الجامعية وخاصة بالمؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح؛ والارتقاء بمنظومة البحث العلمي بما يضمن للباحثين الأردنيين تموقعا أفضل داخل حقل البحث العلمي الدولي؛ وبالتالي بلورة تصور واضح حول كيفية تنزيل مخطط تطوير وتجديد التعليم العالي والبحث العلمي وفقا لتوجهات القانون و الإطار العام .

تحسين الحكامة الجامعية

لا يجادل أحد في أهمية تطبيق التصورات بشكل يضمن النجاعة والشفافية ويرسي آليات التقييم التي تربط المسؤولية بالمحاسبة، وكل ذلك في إطار مقاربة تشاركية تعطي الحق لجميع الفاعلين والشركاء في الإسهام كل من موقعه في الإرساء الجيد لمقومات الإصلاح. وهو ما يطرح سؤال الحكامة في جميع مستويات منظومة التعليم العالي والذي يمر الجواب عنه بالضرورة من خلال:

وضع خريطة جامعية جهوية تعطي للطالب إمكانية متابعة دراسته الجامعية في الجهة التي ينتمي إليها؛

تنويع مؤسسات التعليم العالي بحيث تخضع إلى تصنيف جديد يجمع بين المؤسسات التطبيقية التي تهدف إلى التأهيل المهني المعتمد على استجابة التكوينات ما أمكن لحاجات سوق العمل ، والمؤسسات البحثية التي تشتغل أساسا على البحث العلمي سواء منه الأساسي أو التطبيقي أو التنموي، والمؤسسات الهجينة التي تجمع ما بين التكوين في مختلف المجالات المعرفية والبحث العلمي في التخصصات ذات الأولوية بالنسبة للبلاد ؛

التقييم المنتظم للتكوينات والبحث العلمي والمؤسسات، داخليا عبرالهيئة الوطنية لتقييم وضمان جودة التعليم العالي والبحث العلمي، وخارجيا عبر الهيئة الوطنية للتقييم، مع إرساء تقييم أداء الأساتذة اعتمادا على معايير مضبوطة وبآليات ذات مصداقية ؛

إرساء نظام للجامعات وإعادة النظر في مجالس الحكامة في الجامعة من خلال إرساء ثلاث مجالس مجلس استشاري للتشاور الموسع ومجلس أكاديمي لقضايا التكوين والبحث ومجلس حكماء لقيادة الجامعة ؛

مراجعة هيكلة المؤسسات في اتجاه إعادة ترتيب الأدوار بين الشعب والمسالك لضمان التوازن بين المرونة الضرورية للهياكل والفعالية اللازمة للمؤسسات ؛

تحديد مفهوم استقلالية الجامعة وفق معايير ومؤشرات واضحة تهم أبعاد التنظيم والموارد المالية والموارد البشرية والبعد البيداغوجي، وتعزيز هذه الاستقلالية في إطار تعاقد مع الوزارة يضمن تحقيق الأهداف المسطرة من طرف هذه الأخيرة ويتيح هامشا من المبادرة في اختيار الوسائل من طرف الجامعات لتحقيق المزيد من الفعالية لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي ؛

تحويل الجامعات إلى مؤسسات عمومية ذات طابع ثقافي وعلمي يراعي خصوصياتها، وإحداث جامعات على شكل مؤسسات غير ربحية تنهل من ثقافة الوقف المتجذرة في المجتمع الأردني ؛

ترسيخ منظومة التعليم العالي ضمن منظور الجهوية المتقدمة

وذلك من خلال تكريس دور الدولة الاستراتيجي ودورها الناظم في جميع المجالات وخاصة التأطير القانوني وتخصيص الموارد وتأطير البرامج والتكوينات وتقييم الالتزامات؛ وتقنين العلاقة بين الجامعة والجهات وتأسيس العلاقة بينهما على أساس مشاريع مشتركة تأخذ بالاعتبار الحاجات الجهوية وتدرج في المخطط التنموي الجهوي وتجاوز منطق الدعم المالي الصرف، مع التأسيس لشراكات مستدامة بين الجامعات والجهات في إطار الاختصاصات المشتركة (البحث العلمي التطبيقي). بالإضافة إلى نقل الاختصاصات من الدولة إلى الجهات في بعض القضايا المرتبطة بالتعليم العالي مع اعتبار مبدأي التدرج والتمايز؛ والتعاون مع الجامعات في إعداد المخطط الجهوي التنموي ومشاركتها في مواكبة الجهوية المتقدمة خاصة في تأهيل مواردها البشرية وتقديم الاستشارة العلمية، واعتبار حاجات التعليم العالي في وضع التصميم الجهوي لإعداد التراب الوطني على إمتداد مساحات الوطن .

تعزيز التدبير الإداري والمالي

وذلك من خلال تدقيق وتبسيط المساطر المالية وخاصة المتعلقة بتدبير الموارد الذاتية، وتيسير مساطر الصرف في اتجاه الرفع من نجاعة أداء الجامعات؛ وترشيد النفقات من خلال التركيز على نجاعة الأداء وإرساء آلية للفحص الداخلي في كل جامعة؛ وتعزيز التدبير المالي للجامعات من خلال تأهيل العنصر البشري؛ ووضع معايير لتوزيع الميزانية على الجامعات وفق مبدأ المردودية؛ وتصفية مشكل الممتلكات العقارية باستحضار جميع الجوانب القانونية والتدبيرية؛

تعزيز تدبير الموارد البشرية 

وذلك من خلال مراجعة النظام الأساسي للأساتذة الباحثين من حيث المهام ومسطرة التوظيف واستقطاب الكفاءات وربط الترقية بالمردودية؛ وضمان لامركزية تدبير الموارد البشرية من خلال تأهيل الجامعات وإرساء الهياكل الإدارية اللازمة وتبسيط المساطر مع مركزة عملية التوظيف؛ وإرساء التدبير التوقعي للوظائف والكفاءات؛ وإرساء التعويض عن المردودية والمحاسبة عن التقاعس في أداء المهام؛ وإرساء مدونة للأخلاقيات يلتزم بها جميع الفاعلين وكذلك الطلبة .

لن ينجح الإصلاح في النهاية إلا بتوفير الموارد الضرورية لتحقيق الطفرات الممكنة، وبتوحيد الرؤى وتجميع الجهود في إطار مقاربة تشاركية لتحقيق التغيير المطلوب . 

الدكتور هيثم عبدالكريم احمد الربابعة
استاذ اللسانيات الحديثة المقارنة و التخطيط اللغوي / الأردن

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)