TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
نتنياهو و ترامب ...
11/02/2018 - 2:45pm

الدكتور ابراهيم بدران

سباق الدورة الرئاسية
تسارع اسرائيل باتخاذ خطوات متلاحقة باتجاه ابتلاع الأراضي الفلسطينية من جهة، واقفال الملف الفلسطيني من جهة أخرى. و يرى نتنياهو و اليمين الإسرائيلي في وجود دونالد ترامب وجاوش كوشنر، فرصة لا تتكرر لاستغلال الدعم الأمريكي والرئاسي غير المشروط باتجاه الاستجابة لكل ما تقوم به اسرائيل، دون أي التزام بما أقره الرؤساء السابقون، و دون أي تهيئة سياسية ودون اية مقدمات. أمريكا اليوم هي رهن الإشارة الاسرائيلية كما لم تكن كذلك في أي
يوم من الأيام . و لذا يعمل نتنياهو على ثلاثة محاور كبرى يريد لإسرائيل الإنتهاء منها بكل الوسائل الأول : الإمكانات العسكرية للدول العربية المجاورة لها دون الدخول في حروب معها . الثاني الموقف السياسي والقانون الدولي تجاه ألإحتلال الإسرائيلي للاراضي الفلسطينية . الثالث البعد الاجتماعي والانساني للموضوع الفلسطيني على الصعيد الدولي .
فعلى الصعيد العسكري تمكنت اسرائيل من خلال الولايات المتحدة الأمريكية والقوى المتطرفة التي تعمل لصالحها وعملائها في المنطقة و الأخطاء الكارثية العربية من تحطيم العراق، وتحويله إلى دولة ضعيفة مفككة. و كذلك نجحت في تدمير سوريا وتهجير 25% من مواطنيها و استباحتها للقوى الدولية و الإقليمية. وأصبح البلدان مهددان بالانقسام والتفتت إلى دويلات صغيرة في أي لحظة. وغدا الحفاظ على بقاء النظام والحكم هو الشغل الشاغل للسياسيين فيها،و ليس الوطن أو الشعب أو بناء الدولة. و راحت تغذي المتطرفين في سيناء لاستنفاذ قوة مصر و إنهاكها. وقد جاء هذا التدميرو الإنهاك بأقل التكاليف والخسائر الممكنة . وهو أمر لم تكن تحلم به اسرائيل أن يتم بهذا الكلفة الرخيصة والتي لم تزد عن بضعة مليارات من الدولارات مقابل مئات المليارات كانت ستتكلفها العمليات العسكرية . وفي المحور الثاني السياسي فقد عملت إسرائيل، و منذ اغتيال إسحق رابين، على استعمال إتفاقية أوسلو كغطاء لمعظم إجراءاتها الإحتلالية، في حين اتجهت من جانب واحد إلى الانتهاء من القضايا السياسية المعلقة وفي مقدمتها القدس والحدود والمستوطنات . وتطمح اسرائيل إلى الانتهاء من هذه القضايا أولا: بإصدار قوانين تنص على ضم القدس والمستوطنات بل كامل الضفة الغربية إلى إسرائيل . وثانياً الضغط من خلال إدارة ترامب على الدول المختلفة للإعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، واقناع تلك الدول بقبول الفلسطينيين لمكان آخر قريبً منها كعاصمة للدولة الفلسطينية "التي لن تسمح لها بالقيام". وثالثا: اعتبار الجدار العنصري الفاصل بين الضفة الغربية و الأراضي الفلسطينية التي تحتلها اسرائيل هو خط الحدود المؤقت. وقد حققت في هذا المحور نجاحات واضحة خاصة في القدس والمستوطنات والجدار العازل . غير ان المحور الثالث وهو الاجتماعي الانساني يمثل اكثر المحاور تعقيدا لأنه يعتمد على الشعب الفلسطيني ذاته. و في مقدمة هذا المحور قضية اللاجئين الفلسطينيين الذي أجبروا على هجرة منازلهم و يزيد عددهم اليوم عن 5.5 مليون لاجىء . وخلافاً لمعظم لاجئي العالم فقد احتل اللاجئون الفلسطينيون موقفاً سياسيا وقانونيا خاصاً تمثل في إنشاء وكالة أمم متحدة متخصصة بتشغيل وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين هي الأنروا وصدور عشرات القرارات عن الأمم المتحدة تؤكد حالة الاحتلال التي تقع في الأراضي الفلسطينية و أهمها القرار 194 لعام 1949 و الذي تنص المادة 11 منه على "حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم أو التعويض لمن لا يرغب في العودة ". ولأن إدارة ترامب لا تستطيع أن تستصدر قراراً من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن بوقف أعمال الأنروا بسبب التعاطف الدولي الكبير مع الموضوع الفلسطيني وبسبب الفيتو الروسي المحتمل في مجلس الأمن ،فقد اتجهت اسرائيل إلى العمل نحو تفكيك الأنروا منذ أواخر التسعينات من خلال إقتراح بدائل لها و تجفيف مواردها المالية والتي تأتي على شكل منح من الدول المختلفة. ولذا قررت إدارة ترامب تخفيض مساهمة أمريكا من 130 مليون دولار إلى 65 مليون دولار لهذا العام. ويأمل نتنياهو أن يصل إلى النقطة التي يتم فيها تفكيك الأنروا والحاق اللاجئين بالمفوضية العامة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين . وأذاك تتراجع خصوصية المسالة الفلسطينية ويتحول اللاجئون الفلسطينيون إلى جزء من الأرقام العالمية للاجئين. ومن جانب ثالث فإن التعاطف القوي مع اليهود في أعقاب الاضطهاد النازي أخذ في التراجع بشكل ملحوظ في أوروبا، وبدرجة تقل كثيراً و صراحة في أمريكا. يعود ذلك إلى أسباب ثلاثة : الأولى : إن الأوروبيين وهم الأكثر قربا من الشرق الأوسط واحتكاكا فيه أخذوا يشاهدون الاضطهاد " النازي العنصري" الذي تمارسه اسرائيل ضد الفلسطينيين، بحيث حولت غزة بكاملها إلى معسكر اعتقال وإبادة بطيئة على غرار المعسكرات التي خبرها اليهود. وأخذ الأوروبيون يرون في اسرائيل مصدراً للحرب والشر والعنصرية وأن كان ذلك لا يصرح به علنا . الثاني : إن الجانب الانساني و الحقوقي للفلسطينيين بدأ يبرز في المحافل الدولية و منظمات المجتمع المدني وعلى كل صعيد، في الفنون والآداب والعلوم والنشاط الانساني خاصة بعد أن تركزت مقاومة الاحتلال في المقاومة المدنية واللاعنف واللجوء إلى القانون الدولي والمؤسسات الدولية .الثالث : إن الساسة الأوروبيين أقل اعتمادا على اللوبي الصهيوني في حملاتهم الانتخابية ومساراتهم السياسية من نظرائهم الأمريكيين. وهم، ولكون أوروبا أكثر قرباً للشرق الأوسط، مدركين لخطورة القضية الفلسطينية، وأثرها على الاستقرار في المنطقة والنتائج التي يمكن أن تتأثر بها أوروبا إزاء التعنت والتكالب والغرور الاسرائيلي و الذي سيؤدي إلى انفجار المنطقة من جديد.
وتحاول إدارة نتنياهو أن توحي بأن العرب جميعهم متعاونون معها، ولم تعد تعنيهم المسألة الفلسطينية. وتستخدم بذلك العملاء ووسائط التواصل الاجتماعي والإعلام والصحافة أولاً: لإشاعة الشكوك و التفرقة بين الأقطار العربية. وثانياً :إشاعة اليأس بين الفلسطينيين. وما لا تريد اسرائيل الاعتراف به، أن التطبيع مع المؤسسات العربية الرسمية لا يغير من حقيقة الرفض الكامل لدى الشعوب العربية لاسرائيل وسياساتها بدون استثناء. ولا تريد أن تعترف بأن التاريخ تصنعه المجتمعات وليس الحكومات.
إن خطة نتنياهو و اليمين الإسرائيلي والصهيونية للإنتهاء من الموضوع الفلسطيني خلال السنتين القادمتين الباقيتين لدونالد ترامب، والذي من غير المتوقع أن ينجح في دورة رئاسية ثانية ، هذه الخطة لا بد من افشالها من خلال الصمود الفلسطيني على الأرض والتماسك والانتهاء من الانقسام. ومن خلال تعزيز الجانب الإنساني الاجتماعي للشعب الفلسطيني، ومخاطبة الرأي العام الدولي والمحافظة على الأنروا كمؤسسة لا ينتهي دورها إلا بحصول اللاجئين على حقوقهم غير القابلة للتفاوض. و كذلك جميع القرارات التي اتخذتها المؤسسات الدولية لصالح حق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم وإنشاء دولتهم على ترابهم الوطني وعاصمتها القدس، وتفعيل الآليات القانونية الدولية. فذلك الذي يمكن أن يغير مسار المستقبل الإستعماري البغيض الذي تحلم به اسرائيل.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)