TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
العشائرية قوة ام تخلف ؟
25/12/2016 - 3:45pm

العشائرية قوة أم تخلف ؟
د.أحمد بطّاح
تعني العشائرية في الأصل الإنتساب لعشيرة ما وهو أمر طبيعي ، فكل إنسان في الواقع ينتسب لوحدة إجتماعية أولية تختلف تسمياتها من مجتمع إلى مجتمع ، ولكن الأمر غير الطبيعي هو أن تصبح العشائرية تعصباً لهذه الوحدة الإجتماعية بحيث تُقّدم مصلحتها على المصلحة العامة على إفتراص أنّ الإنسان في عالم اليوم مواطن يعيش في مجتمع عصري تحكمه دولة مدنية يتساوى فيه المواطنون في حقوقهم وواجباتهم . وإذا إستقرأنا التاريخ العربي فإننا نجد أن العشيرةً لعبت دوراً أساسياً في حياة المجتمع العربي قبل الإسلام ، فقد كانت هي الوحدة الإجتماعية الأولى والحيوية التي ينتسب لها الفرد العربي ويدين لها بالولاء التام وهي بالمقابل توفر له الحماية ، وقد عبّر الشاعر عن هذا المعنى حين قال :
ومــــا أنـــا إلّا مـــن غُـــزيـــة إن غَـــوتْ
غويـــت وإن تـــرشد غُـــزّية أرشــــد
ولعل الدلالة هنا واضحة تماماً فالشاعر – وهو يعّبر عن واقع حال الإنسان العربي في ذلك العصر – مع قبيلته ( أو عشيرته ) في غوايتها وفي رشدها . وعندما جاءَ الإسلام وقف ضد هذا المفهوم ( أيّ التعصب العشائري ) قاصداً وحدة المجتمع برغم تعدد شعوبه وقبائله ( إنّا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ، وقد دعا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبذ العصبية القبلية صراحة إذْ قال ( دعوها فإنّها منتنة ) ، ولكن إذا تركنا النصوص جانباً وتأملنا في واقع الحال فإننا نجد أنّ الإسلام لم ينجح في إستئصال العصبية القبلية فما إن تُوفي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ثارت القبائل العربية معتبرة أن قريش تريد أن تستأثر بالزعامة ، وإن الزكاة التي يصر الخليفة أبو بكر الصديق عليها ما هي إلا نوع من الأتاوة يريد فرضها عليهم ، وقد عبّر شاعرهم عن ذلك حين قال :
أيــــورثها بكــــراً إذا مــــات بعـــــده
فــــتــلك لـــــعمر الله قاصمت الــظـــــهر !
ولعلّ الأغرب من ذلك هو أن العرب حتى عندما توحدوا ( بعد حروب الردة وإخضاع المتمردين ) وأصبحوا قوة فاتحة في أنحاء الدنيا لم ينسوا إنتماءاتهم العشائرية بل ظلوا يقاتلون في إطار الجيش الإسلامي تحت رايات لعشائرهم ( قيسية ، يمنية ...) ، وقد بقي الإنتماء العشائري مهماً في نظم الحكم وتحالفاتها وحروبها طوال العصور الإسلامية الزاهية التي حكم فيها العنصر العربي ( الأمو ، العباسي ، الأندلسي ) ، بل ولقد شهد التاريخ صراعات بين فروع العشيرة الواحدة أحياناً كما حصل بين الفرع السفياني والمرواني ( داخل العشيرة الأموية ) مثلاً ، وكما حصل بين العباسيين والعلويين ( داخل العشيرة الهاشمية ) مثلاً ، وخلاصة القول أن المراجعة التاريخية تفيد بكل وضوح بأن العشائرية ظلت عاملاً قوياً في المجتمع العربي حتى بداية العصر الحدييث حيث ظهرت الدولة الحديثة أو الدولة المدنية أو دولة المواطنة في أوروبا ومن ثم في العالم الأجمع . إن ممّا تجدر ملاحظته في هذا السياق أنّ العرب لم يحكموا أنفسهم منذ القضاء على الخلافة الأموية في الأندلس ، بل خضعوا لأُمم إسلامية مختلفة كالسلاجقة والمماليك والعثمانيين الذين إنتهى حكمهم للعالم العربي بهزيمتهم في الحرب العالمية الأولى في عام 1918م ، وقد تبعهم في حكم العرب بعد ذلك المستعمرون الأوروبيون : الإنجليز ، والفرنسيون ، والطليان ، والإسبان ، وبعبارة أخرى فإّن العرب لم يتمكنوا من تطوير مجتمعاتهم وآليات إدارتها وحكمها وصولاً إلى الدولة العصرية التي يحكمها القانون وتغيب فيها الإنتماءات الفرعية : المناطقية ، والمذهبية ، والاثنية ، والعشائرية . إنّ واقع الحال هو أن العرب بدأوا بإنشاء دولهم الحديثة بعد إستقلالهم عن الدول الإستعمارية التي أشرنا إليها آنفاً أيّ بعد منتصف الأربعينات ( الأردن ، وسوريا ، ولبنان ، والعراق ، ومصر ) علماً أن بعض الدول العربية نالت إستقلالها مع نهاية الخمسينات ( المغرب مثلاً ) ، وبداية الستينات ( الكويت والجزائر مثلاً ) ، بل إن بعض الدول العربية لم ينشأ ككيانات سياسية إلّا مع بداية السبعينات كدولة الإمارات العربية المتحدة مثلاً . ولكن .... وحتى بعد تأسيس الدولة العربية الحديثة في أقطارها المختلفة هل إنتهت العشائرية بمفهومها السلبي أيّ التعصب العشائري ؟ هل قامت الدولة العربية الحديثة بتكريس القانون وتطبيقه على جميع المواطنين بغض النظر عن إنتماءاتهم المختلفة وأولها بالطبع الإنتماء العشائري ؟ إنّ واقع الحال – وللأسف – لا يشير إلى ذلك ، وبإستثناء مصر ولأسباب حضارية وتاريخية معروفة فإن العشيرة ما زالت وحدة إجتماعية مهمة في كافة أقطار الوطن العربي مع تفاوت في قوتها هنا وهناك ، فهي تملك الحكم تماماً في بعض الدول العربية ، وهي قوة نافذة في بعض الدول الأخرى ، وإنّ كان الأمر يتم بنوع من الغطاء الدستوري أو القانوني الذي لا يغير كثيراً في واقع الحال ، ولعّل ما قيل عنه " الربيع العربي " في الآونة الأخيرة إلا دليل ساطع على ذلك فما إن سقطت أنظمة الإستبداد في ليبا واليمن مثلاً حتى تفجرت مجتمعاتها وأسفرت كافة الإنتماءات الفرعية – ومنها بالطبع الإنتماء العشائري – عن وجهها فإذا بنا نشهد مزيجاً من المناطيقية ، والمذهبية ، والأمنية ، والعشائرية التي تضرب وحدة المجتمع وتهدد نسيجه الهش أصلاً .
ولكن ..... ما الحلّ ؟ كيف يمكن تجاوز العشائرية و الانفكاك من تأثيراتها السلبية وصولا إلى مجتمع ينتمي فيه الفرد إلى المجتمع ككل و ليس إلى العشيرة. مجتمع يحب فيه كل فرد عشيرته و يحافظ على روابطه معها و لكنه لا يقدم هذه الروابط على روابطه الاجتماعية العامة حيث تكمن مصلحة المجتمع,و تتمثل للمصلحة العامة .

إن ذلك لا يمكن أن يتم في الواقع إلا إذا أخذنا بجملة سياسات منظومية متكاملة و لعلّ أهمها :
1- تفعيل الدساتير في الدول العربية بما يضمن تطبيقها الفعلي, و بما يجعل الدولة مدنية تنفذ القوانين في كافة مناحي الحياة و على جميع المواطنين على قدم المساواة, و لعلّ هذا لا يتحقق إلا إذا أخذ بالنهج الديموقراطي في الحكم الذي يقوم على المشاركة في صنع القرار, و صدق التمثيل في المجالس المنتخبة, و تداول السلطة بشكل سلمي و حسب رغبة الشعب مصدر السلطات.
2- تغيير بنية المجتمع العربي بما يضمن انتقاله من وضعية المجتمع الزراعي و الخدمي إلى وضعية المجتمع الصناعي التكنولوجي, و بخاصة أن العصر أصبح عصر التكتُلات الكبرى, و التكنولوجيا المتقدمة (Hi- Tech). إن التغيير الآنف الذكر هو الذي يخلخل البنى التقليدية ( و منها العشائرية طبعاً ), و ينتقل بها إلى بنى حديثة قائمة على الأسرة النووية (Nuclear family) و أهمية الفرد (Individualism) و المواطنة (Citizenship) .
3- التوعية و التعليم إذ لا بد أن يدرك كل مواطن أنه مواطن في المجتمع أولاُ و أخيراً, و أن انتماءَه الأول و الأخير يجب أن يكون لمجتمعه و وطنه لا لأسرته و عشيرته و طائفته و منطقته, و بالطبع فإن ذلك لا يتأتى إلا إذا كانت المؤسسات التربوية جميعاُ : الرسمية و الموازية بدورها في توعية الأفراد و تكريس الانتماء المجتمعي لديهم.
إن هذه الأبعاد : السياسية و التشريعية, و الاقتصادية و المجتمعية, و التوعوية و التعليمية كلها هامة و يجب أن تعمل معاً للتغلب على آفة اجتماعية لا سبيل للتقدم و اللحاق بروح العصر بدون التغلب عليها.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)