TLB News (طلبة نيوز للإعلام الحر)
الدولة المدنية بين الرؤى الملكية والواقع
26/10/2016 - 5:15am

الدولة المدنية بين الرؤى الملكية والواقع

بقلم الدكتور المهندس ابراهيم محمد العدوان

تحتفل المملكة الأردنية الهاشمية هذا العام بمئوية الثورة العربية الكبرى، كما وأنها تحتفل بمرور خمسة وتسعين عاماً على تأسيسها في العام 1921.
وعلى الرغم من مرور هذه السنوات الطوال، إلاَ أن الحكومات المتعاقبة، وحتى يومنا هذا ما تزال تراوح مكانها من مفهوم الدولة المدنية.
فجلالة الملك المفدى ومنذ أن قاد المسيرة طرح مجموعة من الأوراق النقاشية، كان آخرها الورقة النقاشية السادسة، والتي أرسى من خلالها القواعد الأساسية لبناء الدولة المدنية الحديثة.
فجلالته يرى أن الدولة المدنية تقوم على مجموعة من المباديء، تشكل في مجموعها رؤى لصانعي القرار ومتخذيه لصياغة مستقبل الدولة والأمة.
فأول هذه المباديء والركائز سيادة القانون. القانون الذي يشكل العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين أفراد المجتمع بعضهم ببعض، وعلاقة هؤلاء الأفراد مع الدولة، من خلال سن القوانين والأنظمة، وتعديل الموجود منها بما يتلاءم والتغيرات التي تصيب المجتمع وتتناسب مع مقتضيات واقع الحال.
وإذا ما اكتمل عقد هذه التشريعات بدءاً بالدستور ومروراً بالقوانين والأنظمة وانتهاءً بالتعليمات التنفيذية، أقول إذا ما اكتملت هذه التشريعات، فإن على الدولة أن تنتقل إلى مبدأ آخر هو تطبيق القانون على أرض الواقع.

إن المتتبع لمسيرة الأردن التشريعية على مر العقود، يرى أن هذه التشريعات هي من أقوى وأعرق التشريعات، كما يرى المتتبع أن تطبيق الدولة لمبدأ سيادة القانون ما زال تشوبه عيوب كثيرة.
فسيادة القانون تتطلب الحزم والعدالة في التطبيق والمساواة في الإجراءات المتخذة. فلا يجوز أن يطبق القانون على فئة دون فئة في المجتمع ولا يجوز ان يطبق في مكان معين دون آخر, فلطالما أن الدستور ساوى بين المواطنين، فلا بد أن يطبق القانون بعدالة ومساواة بين الجميع.
إن الإخلال بمبدأ العدالة والمساواة في تطبيق القانون، يقتل المواطنة ويقتل الإنتماء لدى المواطنين، ويظهر الخارجون على القانون، ويعيثون فساداً في الأرض، وتنشأ بيئات عصية على القانون، يصعب وُلوجها ومعالجة الخلل فيها.
كما أن الورقة النقاشية ركزت على مبدأ آخر من مباديء الدولة المدنية ألا وهو مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
فمبدأ تكافؤ الفرص يجب أن يسود أدبيات الدولة الأردنية، فحق المواطن في التعليم، وحقه في الرعاية الصحية وحقه في التعبير وإبداء الرأي بالطرق المشروعة وحقه في التوظف، ولا سيما في شغل الوظائف العليا حقوق كفلها الدستور الأردني.
فلا يجوز الإخلال بهذا المبدأ وهو تكافؤ الفرص في التعليم والرعاية الصحية، فلا يجوز الاخلال بحق المواطن في الرعاية الصحية والعلاج، إذ يجب أن يحظى كافة المواطنين بالتأمين الصحي الشامل، ومن المعيب في الدولة المدنية أن يعالج مواطنون وعلى حساب الدولة في أرقى مستشفيات العالم، ومواطن آخر لا يجد سريراً في مستشفى حكومي، مع أننا نفاخر في الأردن بمستوى التقدم في التعليم وانخفاض نسبة الأمية ونفاخر بالمستوى الطبي في المستشفيات الأردنية الحكومية والعسكرية والخاصة والتي عزّ مثيلها في الوطن العربي.
ومن المعيب أيضاً في الدولة المدنية الإخلال في العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة بين أبناء الوطن الواحد، وعدم إتاحة الفرص أمام المؤهلين منهم للتنافس على شغل الوظائف العليا، وإدارة أجهزة الدولة.
فلا يجوز أن تورّث المناصب العليا والوزارات ولا يجوز أن تغلق وتسدّ الطرق أمامهم للوصول إلى هذه المواقع لغياب الشفافية والموضوعية في الإختيار.
فالأردنيون من شتى أصولهم ومنابتهم أكفاء وذوو مؤهلات علمية وخبرات تؤهلهم لشغل هذه المواقع إذا أتيحت لهم الفرص للمنافسة بحريّة وموضوعية وشفافية.
كما لا يجوز أن تبقى بعض المراكز الادراية في بعض أجهزة الدولة شاغرة لعدم انطباق الأسس والشروط على مَن عَيْن الدولة عليه.
ومن المباديء والركائز التي اشتملت عليها الورقة النقاشية السادسة محاربة الفساد والمحسوبية والواسطة.
إن الفساد والمحسوبية والواسطة آفات اجتماعية استشرت في المجتمع، وأدت إلى تآكل بنية الدولة وبنية المجتمع، وهي نقيضة للنزاهة والعدالة والشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص، وهي تقوّض المواطنة وتقتل الانتماء والانتاجية. فالمواطنة الصحيحة في الدولة المدنية والتي يأخذ بها الفرد حقه ويؤدي من خلالها واجبه هي المواطنة الحقة التي تسهم في بناء الدولة المدنية.
إن سيادة القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص في الدولة المدنية لا تعزز ولا تجذّر بدون قضاء كفؤ ونزيه وعادل ولا يمكن أن تُحقّق ولا يمكن أن تسرى في المجتمع عدالة دون قضاء عادل. فجلالة الملك المفدى ركّز في الورقة نفسها على القضاء وشكّل لجنة من ذوي الخبرة والتخصص والكفاءة لمراجعة وتحديث السلك القضائي وتعزيزه حتى يكون قادراً على السرعة في البت في القضايا والحدّ من لجوء الأفراد إلى أخذ حقوقهم خارج إطار القانون.
وفي الختام أقول إن جلالة الملك المفدى وضع الورقة النقاشية السادسة بمضامينها ومرتكزاتها أمام الحكومة وأمام المواطنين. ليقوم كل طرف من الأطراف ذات العلاقة حكومة وأجهزة حكومية ومواطنين بالأدوار المطلوبة منهم. ولا أرى حُجّة بعد اليوم للحكومة وما يليها من حكومات في تطبيق القانون وفرض هيبة الدولة وتحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص والشفافية في طرح القضايا أمام المواطنين، وتكريس مباديء الديموقراطية وحرية الرأي واحترام الرأي والرأي الآخر، حتى يعيش الأردنيون في وطن هويته هوية عربية إسلامية، ثقافته ومبادؤه مستمدة من ثورته العربية الكبرى.
وعلى الحكومة بأذرعتها المختلفة أن تترجم هذه الرؤى الملكية إلى واقع ملموس حتى لا تبقى الفجوة كبيرة بين هذه الرؤى والواقع.

اضف تعليقك

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
Image CAPTCHA
أدخل الحروف التي تظهر بالصورة (بدون فراغات)